يوميات مشاتر في دار صباح

دار صباح: حين تشرق الجغرافيا على سؤال السلطة*
_بقلم مهند أحمد الصاوي_
*”I’ve learned that people will forget what you said, people will forget what you did, but people will never forget how you made them feel.”*
_Maya Angelou_
لم تكن “دار صباح” في اللسان السوداني مجرد جهةٍ تشرق منها الشمس. كانت أكثر من اتجاه، وأثقل من كلمة، وأبعد من خطٍّ ترسمه اليد في الهواء حين يريد الإنسان أن يدلّ غيره على الشرق. كانت جهةً تحمل معها وعدًا قديمًا: أن هناك، حيث يطلع الضوء، شيئًا من الخلاص؛ مدرسةً، سوقًا، وظيفةً، نيلًا، دولةً، أو بابًا كبيرًا يمكن أن يدخل منه المتعبون إلى معنى أوسع للحياة.
هكذا سمعها مشاتر أول مرة، لا كتعريف جغرافي، بل كنداء. قالها رجلٌ من غرب البلاد وهو يشير بيده إلى ناحية بعيدة: “الناس مشت دار صباح.” لم يقل الشرق، ولم يقل الوسط، ولم يقل النيل. قال دار صباح. وكأن الصباح نفسه صار دارًا، وكأن الجهة حين تسكنها اللغة تتحول من مكان إلى قدر.
في الذاكرة الشعبية، لا تولد الكلمات عبثًا. الناس لا يسمّون الجهات كما تفعل الخرائط الباردة. الخرائط تقول شمال وجنوب وشرق وغرب، أما اللسان الشعبي فيقول: دار صباح، دار ريح، الصعيد. في كل تسمية شيء من المناخ، والخوف، والرحلة، والاقتصاد، والذاكرة. دار الريح ليست مجرد شمال؛ إنها جهة الهواء الذي يأتي قاسيًا، يملأ الصدور بالغبار ويذكّر الناس بقوة الطبيعة. والصعيد ليس مجرد جنوب؛ إنه صعود أو امتداد في الوعي، ناحية أخرى لها ثقلها ومائها وناسها. أما دار صباح، فهي الجهة التي تطلع منها الشمس، لكنها أيضًا الجهة التي تعلّقت بها عيون كثيرة وهي تبحث عن الدولة.
دار صباح، بهذا المعنى، ليست مكانًا فقط. إنها صورة.
وصور الأمكنة أخطر من الأمكنة نفسها. لأن المكان قد يكون بسيطًا، فقراءه أكثر من أغنيائه، وناسه مشغولون بالعيش كغيرهم، لكن الصورة التي تُصنع حوله تمنحه سلطة رمزية قد لا يملكها كل أهله. فكم من إنسانٍ محسوبٍ على المركز، وهو في حياته اليومية لا يملك من المركز إلا اسمه؟ وكم من زولٍ قيل عنه ابن دار صباح، فإذا فتشت في جيبه وجدت فاتورة مؤجلة، وفي بيته وجدت خوفًا من الغد، وفي روحه وجدت الغربة ذاتها التي تسكن أبناء الهامش؟
هنا يبدأ الالتباس.
فالمركز ليس دائمًا ناسًا بعينهم، ولا جهةً بذاتها، ولا قبيلةً واحدة، ولا نهرًا واحدًا. المركز بنية. طريقة في توزيع السلطة، والفرص، والمعرفة، والاعتراف. المركز هو ذلك الموضع الذي تستطيع أن تتكلم منه فيسمعك النظام، بينما يتكلم غيرك فيتبدد صوته في الرمل. المركز هو أن تكون قريبًا من لغة الدولة، من دفاترها، من مدارسها، من مكاتبها، من طرقها، من خرائطها، من صورتها عن نفسها.
لكن المكر التاريخي أن كثيرين ممن وُضعوا داخل صورة المركز لم يكونوا مالكين حقيقيين له. كانوا قريبين من ظله، لا من مقعده. يمرّون جوار الدولة كما يمرّ الفقير جوار البنك: يرى الباب، يرى الحراس، يرى الزجاج، لكنه لا يملك المفتاح.
ولذلك لا يريد مشاتر أن يكتب عن دار صباح كتابة اتهام. الاتهام سهل، والسهل لا يبني معرفة. يريد أن يفتح الكلمة كما تُفتح حقيبة قديمة: بهدوء، وبشيء من الخوف، وباحترامٍ لما يمكن أن يسقط منها من أوراق وصور وأسماء.
دار صباح في خيال بعض القادمين من الغرب والبعيد كانت طريقًا إلى النيل. والنيل في السودان لم يكن ماءً فقط. كان مدرسةً، ومصلحةً حكومية، وسوقًا، وسكة حديد، ومعسكرًا، وميناءً، وجسرًا إلى الخارج. النيل حمل الحياة، نعم، لكنه حمل معه أيضًا سلطة التسمية. من كان قريبًا منه صار أقرب إلى الدولة، ومن ابتعد عنه صار عليه أن يقطع مسافة مضاعفة: مسافة الأرض، ومسافة الاعتراف.
تلك واحدة من أوجاع السودان القديمة: أن الجغرافيا لم تكن بريئة.
المسافة عندنا لم تكن بالكيلومترات فقط، بل بالفرص.
والمركز لم يكن مدينة فقط، بل بابًا ضيقًا.
والهامش لم يكن صحراء أو جبلًا أو تخومًا، بل وضعًا اجتماعيًا طويلًا؛ أن تصل متأخرًا، وأن تُسمع ناقصًا، وأن تُحسب على البلاد حين تموت، ولا تُحسب عليها حين تُوزّع الحياة.
لكن دار صباح نفسها لم تكن دائمًا مرتاحة في صورتها. ففي داخلها أيضًا فقراء، ومأجورون، ومهاجرون، ونساء يحملن البيوت على أكتافهن، ورجال أكلت أعمارهم الوظائف الصغيرة، وشباب خرجوا منها إلى الخليج والقاهرة وأوروبا وكندا كما خرج غيرهم من كل الجهات. كأن المركز، حين تقترب منه، تكتشف أنه ليس قصرًا كاملًا، بل حوش واسع فيه غرف مضيئة وغرف مظلمة، وفيه من يملك الباب، ومن يقف عند العتبة، ومن ينام في الخارج.
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
هل دار صباح مركز؟
نعم، في المخيال والتاريخ السياسي ورؤية الأطراف.
هل كل أهل دار صباح مركز؟
لا، وهذه هي الجملة التي ينبغي أن تُقال بلا خوف.
لأن العدالة لا تُبنى على قلب الظلم باتجاه آخر. لا نخرج من تهميش الهامش بتعميم الاتهام على جهة كاملة. ولا نُفكك المركز بتحويل أهله إلى كتلة واحدة. التفكيك الحقيقي أن نرى البنية التي جعلت جهةً ما أقرب إلى أدوات الدولة، ثم نرى داخل تلك الجهة نفسها تفاوتاتها، فقراءها، منفييها، الذين مرّت السلطة من فوق رؤوسهم ولم تجلس في بيوتهم.
كان مشاتر يعرف هذا جيدًا. كان إذا سمع حديثًا عن الشمال والوسط والهامش، لم يستعجل التصفيق ولا الاعتراض. كان ينظر إلى الوجوه. فالوجه عنده وثيقة. واليد وثيقة. وطريقة شرب الشاي وثيقة. كان يعرف أن الزول قد يحمل اسم جهةٍ محسوبة على المركز، لكنه يعيش في هامش الراتب، وهامش القرار، وهامش الاعتبار. وكان يعرف أيضًا أن هذا لا يلغي جرح الجهات الأخرى ولا يبرئ تاريخ الدولة من انحيازاتها. المسألة ليست في تبرئة أحد، بل في منع الحقيقة من أن تصير عصا عمياء.
في دار صباح، كما يتخيلها مشاتر، يجلس الناس عند المساء، لكنهم يتكلمون عن الصباح. هذه واحدة من مفارقات الاسم. الدار تسمى صباحًا، لكنها تحمل تعب المساء. فيها شايٌ يتأخر حتى يبرد، ونساء يعرفن أخبار البلاد قبل نشرات الأخبار، ورجال يتحدثون عن الدولة كأنها قريبٌ عاقّ: يعرفون اسمه، ويحفظون خيباته، ولا ينتظرون منه كثيرًا. فيها شباب يخططون للهجرة، وأمهات يخفين خوفهن داخل الدعاء، وأطفال يظنون أن الوطن شاشة هاتف تأتي منها صور البيوت المهدمة والأعراس القديمة.
دار صباح لم تعد في مكان واحد. الحرب فعلت بالكلمات ما فعلته بالبيوت. خلعت الأسماء من جدرانها وأرسلتها مع الناس. صارت دار صباح في القاهرة، حين يجلس السودانيون في شقة ضيقة يتقاسمون الإيجار والخبر والقلق. وصارت في الدوحة والرياض ودبي، حين يعمل الرجل ساعات طويلة ثم يرسل بعض تعبه حوالةً إلى بيتٍ لم يعد يعرف هل بقي قائمًا أم صار ذكرى. وصارت في لندن وتورنتو وكالغري وملبورن، حين يجتمع المهاجرون في عزاءٍ سوداني، فيكتشفون أن البكاء نفسه يعرف الطريق إلى البلد ولو ضلّت الطائرات.

الشتات لم يلغِ دار صباح. بل كشفها.
كشف أنها ليست جغرافيا فقط، بل طريقة في التجمع. كل جالية سودانية في المنافي تصنع دار صباحها الصغيرة: باب مفتوح للقادم الجديد، رقم محامي، عنوان مدرسة، توصية عمل، صحن عصيدة في يوم برد، تبرع لعلاج، قروب واتساب يبحث عن مفقود، ويد تمتد لا لأنها تملك فائضًا، بل لأنها تعرف معنى النقص.
وهنا تعود فكرة المشاعية اليومية التي ظل مشاتر يطاردها كمن يطارد ظلًا لا يريد أن يثبت في مكان. نحن لا نملك السلطة جماعيًا، لكننا نتقاسم آثار غيابها. لا نملك أدوات الإنتاج، لكننا نتشارك أدوات النجاة. لا نتحكم في القرار، لكننا نتحمل نتائجه معًا. نعيش في نظام طبقي في الأعلى، ونخترع مجتمعًا مشاعيًّا في الأسفل. نُحكم من بعيد، وننقذ بعضنا من قريب.
وهذه ليست فضيلة كاملة. فيها جمال، نعم، لكنها أيضًا فضيحة. لأن المجتمع حين يضطر أن يتحول إلى إسعاف دائم، فهذا يعني أن الدولة غائبة أو مختطفة أو مشغولة بنفسها. وحين تصبح الحوالة بديلًا عن الاقتصاد، والفزعة بديلًا عن المؤسسة، والقريب بديلًا عن الحق، فمعنى ذلك أن البلاد لم تعد توزع الحياة، بل توزع أعباء النجاة.
دار صباح، في هذا كله، تصبح سؤالًا لا جوابًا.
هل هي جهة الضوء؟
أم جهة السلطة؟
أم جهة الوهم؟
أم دارٌ مثل بقية الدور، علّق الناس عليها ما لم تستطع وحدها حمله؟
ربما كانت كل ذلك معًا.
فالبلاد التي تتعب طويلًا تجعل من الجهات رموزًا، ومن الرموز محاكم، ومن المحاكم عداوات. لكن الكتابة، إن أرادت أن تكون عادلة، لا ينبغي أن تكرر المحاكمة الشعبية كما هي. عليها أن تسمعها، تفهمها، ثم تمشي خطوة أعمق. أن تسأل: من صنع المركز؟ من انتفع به؟ من حُسب عليه ولم يملك منه شيئًا؟ من بقي خارجه؟ ومن دفع ثمن البقاء داخل صورته أو خارجها؟
لم يكن مشاتر يحب الإجابات النهائية. كان يرى أن الإجابة النهائية غالبًا كرسي مريح يجلس عليه الكسل. لذلك كان يترك السؤال مفتوحًا قليلًا، كنافذة في بيت قديم. يقول: دار صباح ليست بريئة تمامًا، وليست مذنبة كلها. هي اسمٌ لجغرافيا دخلت السياسة، وسياسةٍ لبست ثوب الجغرافيا. هي جهةٌ صارت في عين البعض مركزًا، وفي عين أهلها بيتًا عاديًا فيه مرضى وديون وأحلام صغيرة. وهي قبل ذلك كله مرآة: من ينظر إليها يرى ما يحمله في قلبه من رجاء أو مرارة.
أما السودان، ذلك الاسم الكبير الذي تعب من كثرة ما حُمّل، فلا يزال يقف بين الدور كلها: دار صباح، دار ريح، الصعيد، الغرب، الشرق، النيل، الجبل، السهل، البطانة، البحر، والغابة وإن ترامى ظلها بعيدًا.
المدن التي احترقت، والقرى التي لم تظهر في الأخبار أصلًا. كل جهة تقول: أنا تعبت. وكل جهة تقول: لم يسمعني أحد. وكل جهة تحمل دليلها، وقبورها، ومفقوديها، وأغانيها، ونسائها اللواتي يعرفن التاريخ من رائحة الدخان قبل أن يكتبه المؤرخون.
ولذلك فإن إعادة تعريف دار صباح ليست ترفًا لغويًا. إنها تمرين في العدالة. أن نعيد الكلمة إلى أصلها، ثم نرى كيف كبرت، وكيف تسيست، وكيف جُرحت، وكيف يمكن أن تعود دارًا لا مركزًا. دارًا يدخلها الناس لا باعتبارهم تابعين أو متهمين أو غرباء، بل باعتبارهم أهلًا في وطن لم يتعلم بعد كيف يكون بيتًا للجميع.
يكتب مشاتر في آخر الصفحة، ثم يتوقف:
دار صباح ليست الجهة التي تشرق منها الشمس فقط.
هي الجهة التي نسألها: على من أشرقت الشمس؟ ومن بقي في العتمة؟
ومن الذي باع الضوء في السوق؟
ومن الذي احتكره باسم الدولة؟
ومن الذي مشى إليه من آخر البلاد، فلما وصل، وجد أن الصباح نفسه يحتاج إلى تحرير؟
ثم يضع القلم.
لا لأنه انتهى.
بل لأن اليومية، مثل البلاد، لا تنتهي في صفحة واحدة.




