الأبيض… قلعة الصمود تتحدى تهديدات المليشيا

إرادة شعبية صلبة تقهر دوي المدافع المتمردة
الهجانة الباسلة تؤمن الثغور وتحمي حياض المدينة
تحذيرات دولية مريبة تعيد إنتاج سيناريو الفاشر
تلاحم تاريخي بين الجيش والمواطنين يصنع النصر
تقرير :رمضان محجوب
تحت وهج الشمس الحارقة وفي قلب كردفان الغرة، تواجه مدينة الأبيض حصاراً جائراً تفرضه المليشيا المتمردة بثبات قاطع. هنا، حيث تتماسك الإرادة الشعبية مع تضحيات الأبطال، يسطر المواطنون واقعاً حياً من الصمود اليومي، معلنين بوضوح أن مدينتهم العصية لن تخضع ولن تتراجع، لتظل حصناً منيعاً أمام محاولات الخنق الاقتصادي والتركيع العسكري الممنهج الذي يمارسه التمرد الغاشم.

▪ الأبيض. رمزية استراتيجية فريدة
تمثل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، المركز الأساسي في الجغرافيا السياسية والعسكرية والاقتصادية لوسط وغرب السودان. فهي ملتقى الطرق التجارية الرابطة بين أقاليم البلاد المختلفة، ومركز الثقل اللوجستي والتمويني الذي يغذي دارفور وكردفان بالسلع والخدمات. ومن الناحية العسكرية، تضم الأبيض قيادة الفرقة الخامسة مشاة “الهجانة”، وهي قوة قتالية ضاربة ذات تاريخ عريق شكلت دوماً ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي. لهذا السبب تحديدا، تحشد المليشيا المتمردة قواتها لفرض حصار عليها، ظناً منها أن السيطرة على هذا الشريان الحيوي سيمهد لها الطريق لتقطيع أوصال البلاد وإعلان انتصار دعائي عبر المنصات الإعلامية. إلا أن هذه الأهمية الاستراتيجية تحولت بفضل وعي مواطنيها وبسالة جيشها إلى حائط صد تتحطم عليه المؤامرات، حيث يدرك الجميع هنا أن معركة الأبيض هي معركة السيادة الوطنية، وأن الحفاظ عليها هو حفاظ على تماسك الدولة في وجه المخططات التدميرية العابرة للحدود.

▪ صمود شعبي يبدد الأوهام
في مواجهة هذا التضييق، يظهر الثبات الشعبي لأهل الأبيض في معالم الحياة اليومية، ليؤكد أن العزيمة المجتمعية لا تكسرها لغة السلاح أو سياسات التجويع. فرغم الحصار الطويل واستهداف ممرات الإمداد، يرفض المواطنون مغادرة منازلهم، متمسكين بأرضهم في تلاحم كامل مع القوات المسلحة السودانية. تعاني المدينة حالياً من أزمة مياه حادة نتيجة استهداف المليشيا المباشر لمحطات الضخ الرئيسية والخطوط الناقلة، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار السلع الحيوية نتيجة عرقلة القوافل، لكن هذه الظروف القاسية لم تزد الأسواق والمنازل إلا إصراراً. يتحرك المواطنون في الشوارع بمسؤولية، ويديرون أعمالهم بروح التحدي، محولين ليل المدينة الذي تحاول المليشيا إرهابه بالقصف المدفعي العشوائي إلى منصات للتلاحم ومساندة الجنود في الخطوط الأمامية، في رسالة واضحة للتمرد: إن الأبيض عصية على الانكسار، وأن التفاف المواطنين حول شعارهم القومي أقوى من ترسانات الإرهاب.

▪ استهداف ممنهج للأعيان المدنية
على الرغم من الهدوء الذي يسيطر على حركة الأسواق والأوضاع العامة بفضل الانتشار المحكم للقوات المسلحة، إلا أن المليشيا المتمردة تستمر في استهداف المدنيين العزل عبر القصف المدفعي المستمر. وتركز المليشيا هجماتها بشكل ممنهج على الأعيان المدنية، المستشفيات، محطات المياه، وشبكات الكهرباء، بالإضافة إلى الأحياء السكنية المكتظة، مستخدمة الطائرات المسيّرة والقذائف بعيدة المدى، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من النساء والأطفال خلال الأيام الماضية، وتدمير مرافق خدمية وصحية حيوية تقدم الرعاية الطبية. إن هذا السلوك الإجرامي يكشف بوضوح عجز المليشيا عن تحقيق أي تقدم عسكري على الأرض أمام جاهزية قوات الهجانة، فتلجأ إلى معاقبة السكان على موقفهم الوطني المساند للجيش. ورغم فظاعة هذه الانتهاكات الجسيمة، فإنها لم تزد أهل الأبيض إلا إصراراً على مساندة القوات المسلحة لإنهاء هذا التمرد بشكل كامل.
▪ تواطؤ دولي وسيناريوهات مكررة
تثير المواقف والبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ريباً كبيراً في الشارع السوداني، حيث يرى المراقبون في الأبيض أن التحذيرات الدولية الحالية تطابق تماماً ذات المسار الدبلوماسي المريب الذي سبق مجازر الفاشر. إن تصاعد تحذيرات المنظمات الغربية يعكس قلقاً ظاهرياً، لكنه يفتقر تماماً إلى القرارات الفعلية الرادعة التي توقف الانتهاكات. يتحدث المجتمع الدولي عن مخاوفه من تفاقم الأزمة الإنسانية وتوسع المواجهات، بينما يغض الطرف تماماً عن استمرار تدفق السلاح والعتاد والمرتزقة للمليشيا عبر الحدود. فالاكتفاء بـ “ضجيج البيانات” دون خطوات رادعة، يمنح التمرد ضوءاً أخضر للاستمرار في جرائمه. وبما أن المنظمات الدولية تملك مصادر رصد واسعة، ميدانية وتقنية، تؤكد علمها الدقيق بتحركات المليشيا، فإن اكتفاءها بالإعراب عن القلق يضعها تحت طائلة المسؤولية الأخلاقية عن أي فظائع ترتكب بحق المدنيين العزل.

▪ رسائل مناوي للقوى الخارجية
في سياق الحراك السياسي والدبلوماسي، ثمن حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي موقف سفراء الاتحاد الأوروبي وتحذيراتهم من وقوع انتهاكات إنسانية في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان. وأشار مناوي في تعليق له عبر منصاته الرسمية، إلى أنه يتابع بدقة تصريحات الدبلوماسيين الأوروبيين، معتبراً تحركهم خطوة في مسار الضغط الدولي، لكنه شدد على ضرورة ألا تقتصر هذه الرسائل الدولية على مناطق دون أخرى، بل يجب أن تشمل كافة أجزاء كردفان ودارفور لحماية المدنيين من بطش المليشيا. وفي رسالة صريحة وجهها للخماسية والمجتمع الدولي، أكد حاكم الإقليم على أهمية التحرك الحكومي والوطني الفاعل لفرض السيادة الوطنية على كافة المحاور، مطالباً القوى الدولية باتخاذ موقف حازم يتجاوز الإدانات الشفهية، والعمل فوراً على تجفيف منابع دعم مليشيا آل دقلو الإرهابية، ووقف الإمداد الإقليمي والدولي الذي يصلها عبر قنوات مرصودة ومعلومة بالدليل والبرهان.

▪ قراءة تحليلية للمشهد الميداني
القراءة التحليلية للموقف الميداني الراهن ترسم صورة واضحة المعالم؛ فالمليشيا المتمردة فقدت القدرة الفعلية على إدارة مسرح العمليات والسيطرة عليه منذ فبراير 2025م، وتواجه تآكلاً مستمراً في قوتها البشرية وعتادها العسكري نتيجة الضربات الموجعة التي توجّهها لها القوات المسلحة. ونتيجة لهذا التراجع، تحاول المليشيا فرض حصار على المدن الاستراتيجية كالأبيض واستخدام القصف المدفعي لترهيب السكان ومحاولة استعادة زمام المبادرة المفقود. فهذا السلوك العسكري يثبت أن المليشيا لم تعد قادرة على خوض معارك مواجهة مباشرة مع قوات الهجانة، بل تعتمد على حرب العصابات وحصار التجويع. هذا الأمر يتطلب من القيادة العسكرية مواصلة تنفيذ العمليات النوعية لتفتيت تجمعات المليشيا حول المدينة، والانتقال من مرحلة الدفاع وتأمين المداخل إلى الهجوم الكامل لتطهير محيط الولاية وبسط الأمن والاستقرار.
▪ واجبات المرحلة للجميع والجيش
تتطلب المرحلة الحالية تحديد واجبات واضحة ومسؤوليات محددة على مستويين؛ أولاً: المطلوب الآن من المجتمع الدولي والأمم المتحدة هو إنهاء سياسة الكيل بمكيالين، واتخاذ قرار حاسم وملزم بإعلان مليشيا آل دقلو منظمة إرهابية رسمياً، ومحاسبة الأطراف الإقليمية التي تمدها بالسلاح عبر فرض عقوبات مشددة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بالتنسيق الكامل مع الحكومة السودانية الشرعية. ثانياً: المطلوب من القوات المسلحة السودانية هو الاستمرار في فرض السيادة الوطنية، وتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية لقوات الهجانة في الأبيض، والبدء الفوري في عمليات واسعة لفك الحصار نهائياً وطرد فلول المليشيا من القرى والمناطق المحيطة بالمدينة، لتأمين مصادر المياه والكهرباء والطرق القومية، تزامناً مع تفعيل دور الدبلوماسية السودانية في المحافل الدولية لتحقيق العدالة ومحاكمة القتلة والمجرمين.



