رغيف الخرطوم.. في مهب الغلاء

مواطنون: الخبز يلتهم دخلنا اليومي

خبير اقتصادي: الأزمة تتجاوز السعر إلى الأمن الغذائي

​أرباب أسر: “الرغيف” استنزف ميزانيتنا

أصحاب مخابز: “نعمل بخسارة أو نتوقف”

​شهادات حية: الراتب لا يغطي قوت اليوم

الخرطوم – هيام المغربي

في ظل الأوضاع الاقتصادية المعقدة التي تعيشها البلاد جراء تداعيات الحرب وارتفاع معدلات التضخم، يواصل سعر الخبز في ولاية الخرطوم تسجيل زيادات متلاحقة، ما ألقى بظلاله على حياة المواطنين وأثقل كاهل الأسر محدودة الدخل. وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القوة الشرائية، يجد أصحاب المخابز والمستهلكون أنفسهم في مواجهة أزمة معيشية تتفاقم يوماً بعد يوم، وسط مطالبات بتدخل عاجل للحد من موجة الغلاء وضمان استقرار السلعة الأكثر ارتباطاً بمائدة المواطن السوداني.

ضغوط الإنتاج وتشظي المخابز

 

قال مختار أحمد، تاجر بمخبز “الريان” بمنطقة سوبا، إن الارتفاع الكبير في أسعار مدخلات الإنتاج أدى بصورة مباشرة إلى زيادة أسعار الخبز. وأوضح أن سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً ارتفع إلى 83 ألف جنيه بعد أن كان 60 ألفاً، فيما بلغ سعر جركانة الزيت (36 رطلاً) 160 ألف جنيه مقارنة بـ155 ألفاً سابقاً، إلى جانب ارتفاع سعر صندوق الخميرة إلى 170 ألف جنيه. وأضاف أن هذه الزيادات رفعت تكلفة الإنتاج بشكل كبير، الأمر الذي دفع المخابز إلى تعديل الأسعار، حيث أصبح سعر ثلاثة أرغفة ألف جنيه بدلاً من أربعة، مشيراً إلى أن بعض المخابز أوقفت نشاطها نتيجة صعوبة التشغيل.

من جانبه، أكد محمد أحمد، العامل بمخبز “الجوهرة”، أن ارتفاع التكلفة التشغيلية وأجور العمالة وأسعار الوقود أسهم في زيادة أسعار الخبز، لافتاً إلى أن ذلك انعكس سلباً على حركة البيع بسبب ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، مؤكداً أن المواطن بات يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة في ظل محدودية الدخل وارتفاع أسعار مختلف السلع الاستهلاكية.

بدوره، أوضح أحمد بانقا، صاحب مخبز “الشاكرين” بسوبا، أن الزيادة المستمرة في أسعار الدقيق والجازولين والحطب والخميرة رفعت تكلفة إنتاج الرغيف بصورة كبيرة، ما أدى إلى بيع ثلاثة أرغفة مقابل ألف جنيه، وأضاف: “تكلفة التشغيل أصبحت مرتفعة جداً، بينما يظل دخل المواطن محدوداً، ما يجعل الأوضاع المعيشية أكثر صعوبة”، مختتماً حديثه بالدعاء بأن يخفف الله عن المواطنين ويحفظ البلاد من كل سوء.

كما كشف متوكل أحمد، العامل بمخبز “التحدي”، عن خروج المخبز من الخدمة بسبب ارتفاع مدخلات الإنتاج وضعف القوة الشرائية، مناشداً الجهات المختصة التدخل العاجل لإيجاد حلول تخفف من معاناة المواطنين وأصحاب المخابز. كما قال صاحب مخبز “الحرمين” إن أصحاب المخابز أنفسهم باتوا من أكثر المتضررين من الأزمة، موضحاً أن أسعار الدقيق والغاز والخميرة تشهد ارتفاعاً متواصلاً، وأضاف: “إذا لم نرفع الأسعار فإن المخبز سيتوقف عن العمل، لكننا في الوقت نفسه نرى معاناة المواطنين يومياً، وهو أمر مؤلم للغاية”، معرباً عن أمله في تحسن الأوضاع الاقتصادية واستقرار البلاد.

الخبز يلتهم الميزانية

 

على الجانب الآخر، عبّر المواطنون عن استيائهم من الزيادات المتكررة في أسعار الخبز. وقال محمد عمر، وهو معلم بإحدى المدارس، إن دخله المحدود لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرته، مضيفاً: “هذه الزيادات كسرت ظهورنا، فالراتب ثابت بينما الأسعار تتغير يومياً، وأصبح الخبز نفسه عبئاً على الأسرة”، مطالباً الجهات المعنية بالتدخل السريع للحد من ارتفاع الأسعار وتحسين الأوضاع المعيشية.

أما الطالب الطيب عاطف فقال إن المصروف اليومي الذي كان يكفيه سابقاً لم يعد يغطي أبسط احتياجاته، موضحاً أن مبلغ 10 آلاف جنيه كان يكفي لوجبة الإفطار، بينما لا تكفيه اليوم حتى 20 ألف جنيه. وأضاف: “أصبحنا نعتمد على الشاي والبسكويت كبديل للوجبات الأساسية”، داعياً إلى فرض رقابة على الأسعار ودعم الدقيق لضمان استمرار عمل المخابز وعدم تعرض المواطنين لنقص الخبز.

وقالت المواطنة فاطمة رباح إن الأوضاع المعيشية أصبحت أكثر صعوبة، موضحة أن المبلغ الذي كان يشتري عشرة أرغفة في السابق لم يعد يكفي لشراء نصف الكمية حالياً. وأضافت: “لدي ستة أطفال، وأصبحت ميزانية الأسرة تذهب في معظمها لشراء الخبز، ولم يعد يتبقى ما يكفي لشراء الخضروات أو اللبن”.

 

تداعيات الحرب وانعكاساتها

 

وفي قراءة اقتصادية للأزمة، قال الخبير الاقتصادي الدكتور كمال كرار إن الارتفاع المستمر في أسعار الخبز يعد انعكاساً مباشراً للأزمة الاقتصادية المتفاقمة بسبب الحرب، موضحاً أن هناك مجموعة من العوامل المتداخلة تقف وراء هذه الزيادات، أبرزها ارتفاع أسعار الدقيق والوقود ومدخلات الإنتاج الأخرى، إضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتشغيل.

وأشار إلى أن تراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم أسهما في زيادة تكلفة إنتاج الرغيف، في وقت تواجه فيه المخابز أعباء تشغيلية متصاعدة تشمل الوقود والكهرباء وأجور العمالة والصيانة. وأوضح أن استمرار ارتفاع أسعار الخبز ستكون له آثار اقتصادية واجتماعية واسعة، من بينها زيادة الضغوط المعيشية على الأسر، وتراجع القوة الشرائية، واتساع دائرة الفقر وانعدام الأمن الغذائي، خاصة وسط الفئات محدودة الدخل. وأكد أن أزمة الخبز لا تمثل مشكلة سلعة واحدة فحسب، بل تعكس حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد السوداني بشكل عام في ظل استمرار الحرب وتراجع النشاط الإنتاجي.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن معالجة الأزمة تتطلب استعادة الاستقرار الأمني ووقف الحرب، إلى جانب تحسين انسياب السلع ومدخلات الإنتاج، وخفض تكاليف النقل والتشغيل، وتبني سياسات اقتصادية فعالة تسهم في الحد من التضخم وتحقيق استقرار الأسواق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى