أطفال القمامة .. (مولودون في الظل، ملقون في الشوارع)
تحقيق في ظاهرة تتصاعد بصمت وسط الحرب

300 رضيع بين شوارع ومكبات نفايات الخرطوم خلال الأشهر السابقة
الثورات تتصدر خريطة الأطفال الملقى بهم في الخرطوم
/ علي جباي (كلاب الشوارع سبقتنا على الرُضع)
/ (كفنت بيدي أطفالاً أكلتهم الكلاب)
/ مجلس الطفولة (المايقوما حالة ميؤوس منها)
/ د. عبد القادر (650 طفلاً فاقداً للرعاية منذ اندلاع الحرب و300 رُصدوا في الخرطوم وحدها)
/ وزيرة الرعاية (الوصمة الاجتماعية أقوى من غريزة الأمومة)
/ محامي: (المادة 146 تدفع الأمهات إلى الاختباء والأطفال إلى الشوارع)
/ الشرطة: (حين طلبنا الرواية الرسمية كان الصمت هو الرد)
تحقيق: نشوة أحمد الطيب
في حي المنارة مربع (2) بأم درمان، عثرت قوات الشرطة في السادس عشر من أبريل 2026 على طفل حديث الولادة داخل مكب للنفايات. كان محروقًا، والكلاب قد بدأت بأكله. حين وصل المتطوع علي جباي إلى المكان، لم يكن أمامه ما يفعله سوى شيء واحد: أن يُكفّن ذلك الطفل بيديه ويواريَه التراب.
لم تكن تلك الحادثة الأولى، ولم تكن الأخيرة. ففي الثالث من نوفمبر 2024، اكتشف أحد السكان طفلة حديثة الولادة محروقة، كانت الكلاب قد أكلتها أكلًا جزئيًا. يقول جباي عن تلك المشاهد: “انهرت تمامًا من هذه الوحشية التي تعرّض لها أطفال أبرياء، نتيجة أفعال غير مسؤولة”.
هاتان الحادثتان ليستا استثناءً في زمن الحرب، بل هما وجه من وجوه ظاهرة تتصاعد في صمت: أطفال يُولدون خارج إطار الزواج فيُلقى بهم في الشوارع ومكبات النفايات، بينما تتشابك أسباب اجتماعية ونفسية وقانونية معقدة خلف كل حالة منهم.
بداية الحرب
يقول علي جباي، وهو مهندس ميكانيكي ومتطوع بمستشفى النو منذ الأيام الأولى للحرب، إنه يعمل ضمن مجموعات شبابية بالحارة الثامنة بأم درمان، اعتادت على “النفير” والعمل الجماعي والخدمة الطوعية حتى قبل اندلاع الحرب. وأوضح أن مستشفى النو كان من بين المستشفيات القليلة التي استمرت في العمل خلال الفترة الأولى من الحرب، الأمر الذي جعله يستقبل أنواعًا مختلفة من الحالات، بينها أطفال حديثو الولادة فاقدو السند الأسري.
أول طفلة
يقول جباي إن أول حالة تعامل معها كانت لطفلة عُثر عليها في الخرطوم خلال الشهور الأولى للحرب، قبل أن تُنقل إلى مستشفى النو. وأضاف: “في ذلك الوقت لم تكن هناك مستشفيات كثيرة شغالة غير مستشفى النو، فجاءوا بالطفلة إلينا، وكانت صغيرة جدًا”. وأشار إلى أنهم قاموا بتسليمها إلى أسرة وصفها بأنها “أسرة جيدة جدًا”، مع الاتفاق على استكمال إجراءاتها الرسمية واستخراج أوراقها الثبوتية حال عودة مؤسسات الدولة للعمل بصورة طبيعية. ويصف جباي تلك اللحظة بأنها كانت “صعبة قليلًا”، بسبب صغر سن الطفلة والظروف التي وُجدت فيها.
أم تحت القصف
وبعد تلك الواقعة بفترة قصيرة، استقبل المستشفى حالة أخرى مرتبطة بالحرب بصورة مباشرة. وقال جباي إن امرأة وصلت إلى مستشفى النو بعد تعرضها لقذيفة سقطت في منطقة دار السلام، وكانت تحمل معها طفلها البالغ من العمر شهرًا واحدًا، وبرفقتها طفلة صغيرة قال إنها خالة الرضيع. وبحسب إفادته، توفيت الأم داخل المستشفى متأثرة بإصابتها، بينما بقي الطفل دون معيل. وأضاف: “استلمناه فورًا واحتويناه”، مشيرًا إلى أن الطفل يعيش حاليًا مع أسرة أحد المتطوعين بمستشفى النو، وقد أصبح عمره الآن قرابة العام والنصف.

ظاهرة تتصاعد
ويقول جباي إن ملاحظته لتزايد أعداد الأطفال فاقدي السند الأسري دفعته لتحويل الأمر من تعامل فردي محدود إلى جهد مستمر ومتابعة يومية. وأوضح أن الفترة الأولى من الحرب شهدت انشغال الجميع بالإصابات والقصف والوفيات، ما جعل التعامل مع الأطفال يتم بصورة سريعة عبر تسليمهم لأسر تتولى رعايتهم مؤقتًا. لكنه أضاف: “بعد ذلك لاحظت أن الظاهرة أصبحت تتكرر بصورة كبيرة، وأن هناك حاجة حقيقية لمبادرة تهتم بالأطفال منذ لحظة العثور عليهم وحتى استقرارهم”. وأشار إلى أن الأطفال غالبًا ما يُعثر عليهم في الشوارع أو في أماكن مفتوحة، ما يجعل التدخل السريع ضروريًا لإنقاذ حياتهم.
رحلة الطفل
وبحسب جباي، تبدأ الرحلة غالبًا باتصال هاتفي من مواطنين عثروا على طفل حديث الولادة ولا يعرفون كيفية التصرف. وقال إن وجوده في قسم الهوية بمستشفى النو، إلى جانب نشاطه المعروف وسط المتطوعين، جعل أرقام هاتفه متداولة وسط عدد كبير من المواطنين. وأضاف: “أوجّههم مباشرة إلى شرطة حماية الأسرة والطفل لفتح البلاغ الرسمي، وأطلب من الشخص الذي عثر على الطفل أن يكون هو الشاكي في البلاغ”. وأوضح أن الطفل يُنقل بعد ذلك إلى المستشفى لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة وتلقي العلاج والرعاية الصحية. وأشار إلى أنه يتابع بنفسه احتياجات الأطفال داخل المستشفى، بما في ذلك توفير العلاجات والأدوية، موضحًا أن بعض الحالات تحتاج إلى تكاليف مالية كبيرة يتم توفيرها عبر أصدقائه ومعارفه.
أكثر من مئتين
وكشف جباي، في حديثه إلى «العودة»، أنه يتابع بصورة مباشرة أكثر من 20 طفلًا خلال الفترة الأخيرة، لكنه أكد أن العدد الحقيقي للحالات التي يعرف تفاصيلها “يتجاوز 80 طفلًا”، فيما يتجاوز المجموع الكلي لعدد الحالات غير المعلن عنها أكثر من 200 طفل. وأضاف أنه يحتفظ بمعلومات تتعلق بالأطفال ويتابع أماكن وجودهم بالتنسيق مع الجهات الرسمية والرعاية الاجتماعية. وبحسب إفادته، فإن ولاية الخرطوم تسجل العدد الأكبر من هذه الحالات، بينما تُعد أم درمان، وخاصة منطقة الثورات، من أكثر المناطق التي تتكرر فيها البلاغات. وأشار إلى أن البلاغات كانت ترد في فترات سابقة خلال ساعات الليل أكثر من النهار، لكنها أصبحت تتفاوت بين الفترتين.
حالات مخفية
ولا يقتصر الأمر، بحسب جباي، على الأطفال الذين يُعثر عليهم في الشوارع أو مكبات النفايات. وقال إن هناك حالات أخرى “داخل البيوت وغير معلنة”، موضحًا أن بعض الأسر تحتفظ بأطفال فاقدي السند الأسري دون معرفة كيفية التعامل مع أوضاعهم القانونية والاجتماعية، بسبب ما وصفه بالعادات والتقاليد والخوف من الوصمة الاجتماعية. وأضاف أن بعض الأمهات تواصلن معه مباشرة طلبًا للمساعدة بعد الولادة، قبل أن يعمل على توجيههن إلى شرطة حماية الأسرة والطفل والرعاية الاجتماعية لاتخاذ الإجراءات الرسمية. وأوضح أن الجهات المختصة تحاول، في بعض الحالات، تجنب فصل الطفل عن والدته متى ما كان ذلك ممكنًا.
وأكد جباي أن التعامل مع هذه الحالات يتم حاليًا عبر تنسيق مباشر مع الجهات الرسمية، وعلى رأسها شرطة حماية الأسرة والطفل والرعاية الاجتماعية.
تفاصيل متكررة
وحول المشاهد التي تتكرر معه خلال استلام الأطفال، يقول جباي إن كثيرًا من الأطفال يُتركون وبجوارهم ملابسهم ورضاعاتهم وبعض احتياجاتهم الشخصية. وأضاف أن الأطفال غالبًا ما يصلون في حالات صحية متردية ويحتاجون إلى رعاية وعلاج عاجل. وأشار إلى أنه يعتمد في تحركاته للوصول إلى مواقع البلاغات على وسائل مختلفة، بينها “الركشة” أو الدراجة النارية أو السيارات الخاصة، بحسب طبيعة المنطقة وبعدها.
مشاهد صادمة
ورغم اعتياده، بحسب وصفه، على التعامل مع أوضاع الحرب والمشاهد القاسية، إلا أن بعض الحالات لا تزال عالقة في ذاكرته. وقال إن أصعب ما واجهه كان حادثتان إحداهما في حي المنارة مربع (2) بأم درمان؛ الأولى في السادس عشر من أبريل في العام2026 حين عثرت الشرطة على طفل محروق داخل موقع للنفايات وكانت الكلاب قد بدأت بأكله، فتولى جباي بنفسه تكفينه ودفنه. والثانية في الثالث من نوفمبر 2024 حين اكتشف أحد سكان الحي طفلة محروقة كانت الكلاب قد أكلتها أكلًا جزئيًا. كما أشار إلى وجود حالات أخرى وصلت إلى المستشفى لأطفال متوفين، بينهم أطفال تعرضوا للخنق داخل أكياس أو للحرق.
300 في الخرطوم
في حديثه لـ«العودة»، أفاد د. عبد القادر عبد الله، الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة، بأن المجلس تواصل مع الآلية الفنية المختصة وهي مجلس رعاية الطفولة بولاية الخرطوم، الذي يعمل بتنسيق مستمر مع آليات داعمة لحماية الطفولة على مستوى شرطة حماية الأسرة والطفل، ونيابة الطفل، ومحكمة الطفل. وأوضح أن العدد المرصود حصرًا في منطقتَي الثورات ومايو والمناطق المأهولة بالسكان خلال الأشهر السابقة بلغ حوالي 300 طفل، جرى جمعهم في عدد من المحطات وكُفلوا بصورة طيبة. وأشار إلى أن هذا الرقم تقريبي، مؤكدًا أن بعضهم قد يكونون في مناطق أخرى أبعد لم يُحصَوا بعد. ونوّه إلى اهتمام وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الشخصي بهذا الملف، مستدلًا بأن أولى زياراته بعد توليه الوزارة كانت إلى منطقة كسلا، حيث وقف على أوضاع هؤلاء الأطفال وعلى ضرورة الكفالة واستمرارها بصورة مقننة على المستويين القانوني والاجتماعي.
650 طفلاً وطنياً
وعلى المستوى الوطني، أكد د. عبد القادر أن الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية الذين جرى رصدهم منذ بداية الحرب يبلغون في حدود 650 طفلًا موزعين بين ولاية الجزيرة وسنجة والنيل الأبيض والخرطوم. وأوضح أن هذا الرقم جاء عبر إسقاطات إحصائية أُعدّت بالتنسيق مع الجهاز المركزي للإحصاء الذي أشاد بدوره. ونوّه إلى أن هذه المسائل الإحصائية تحتاج إلى موارد مستمرة وعمل مضنٍ متواصل، غير أن الجهود المبذولة أتاحت المضي قدمًا في رصد هذه الحالات. وأشاد بالدور الكبير الذي أدّته المنظومة الأهلية في هذا الملف، مشيرًا إلى أن النظّار والمشايخ والعمد ورؤساء اللجان في الأحياء قدّموا جهدًا إنسانيًا بالغ الأثر في احتواء هؤلاء الأطفال والتعامل مع حالاتهم في المناطق المختلفة.
قاعدة بيانات موحدة
وفيما يتعلق بقاعدة البيانات الموحدة، أوضح د. عبد القادر أن العمل عليها جاء في إطار برنامج الـ100 يوم بتوجيه مباشر من وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، مستفيدًا من التنسيق وتكامل الأدوار بين الرعاية الاجتماعية الموجودة في المجالس وعلى مستوى وزارة التنمية الاجتماعية، وشرطة حماية الأسرة والطفل، والمستشفيات. وأكد أن الهدف من ذلك تقوية قاعدة البيانات الموحدة للأطفال فاقدي الرعاية الوالدية، حتى لا يتكرر نموذج المايقوما الذي وصفه بأن “مضرته على الطفل أكثر من المجتمع، وعلى المجتمع أكثر من الطفل”. وقال إن الهدف أن يكون كل طفل يُعثر عليه في حضن أسرة كافلة، مع تفعيل كامل آليات الحماية المتاحة وهي: ديوان الزكاة، والتأمين الصحي، ومفوضية الأمان الاجتماعي، وذلك وفق توجيه الوزير بصورة قوية مع مراعاة الأدوار والتنسيق الدقيق بين هذه الجهات.

347 طفلاً في كسلا
وبحسب د. عبد القادر، فإن 347 طفلًا جرى تحويلهم إلى أسر كافلة وبديلة ما بين ولاية كسلا وولاية البحر الأحمر، وهم المجموعة التي تحركت أصلًا من الخرطوم إلى ود مدني ثم إلى كسلا مع موجات النزوح. وأشاد بالجهود المبذولة من وزارة التنمية الاجتماعية في ولايتَي كسلا والبحر الأحمر، والرعاية الاجتماعية، فيما يخص الأسر البديلة والأسر الكافلة. وأكد أن الأمر كان على مستوى ولائي، وتنزّلت نشرة بخصوصه على المستوى الاتحادي لمؤازرته والوقوف عليه مراقبةً وتنفيذًا. وأشار إلى أن هذا العمل شهده شركاء دوليون من بينهم اليونيسيف وصندوق CDF، فضلًا عن منظمات المجتمع المدني الوطنية.
وأفاد بأن من بين الـ300 طفل المرصودين في ولاية الخرطوم، تمت كفالة أكثر من 250 منهم في أسر كافلة، والمجلس يتابع مع مفوضية الأمان الاجتماعي برئاسة الدكتور محمد علي سالم، والتأمين الصحي بإشراف الدكتور فاروق، وديوان الزكاة بإشراف أمينه، كل أسرة على حدة للتأكد من توفير الرعاية الكاملة للطفل الذي تعوله، مؤكدًا أن لديهم تحديثات يومية في هذا الشأن.
26 طفلاً في الشريفي
وأشار د. عبد القادر إلى أن المتبقي في دار الإيواء بمنطقة الشريفي 26 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 6 و13 سنة. وقال إن المجلس يبذل جهودًا مع الإدارات الأهلية، مثنيًا على دور كل من السيد تِرِيك وجماعته، وإخوانهم في ولاية البحر الأحمر، والأستاذ عمر آدم مدير التنمية الاجتماعية، في سبيل إيجاد أسر كافلة لهم. وأكد أن وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية تكفّل لهؤلاء الأطفال ببطاقات خدمية متكاملة وفق ما جرى الاتفاق عليه في جلسة ضمّت ممثل وزير التنمية الاجتماعية الأستاذ مجاهد يوسف، وأن المجلس يرفع تقارير دورية متخصصة بشأنهم للاطمئنان على سير الخطة الخاصة بالأسر الكافلة والبديلة، بمشاركة اليونيسيف بوصفها شريكًا دوليًا فاعلًا.
أطفال معاقون
وكشف د. عبد القادر عن وجود أطفال فاقدي الرعاية الوالدية ومن ذوي الإعاقة في آنٍ واحد. وقال إن ولاية كسلا تفضّلت بكفالة حوالي 25 طفلًا معاقًا منهم، معتبرًا ذلك “فعلًا إنسانيًا يجب أن يقوموا به”. وأشار إلى أنه أُنشئت لهم مراكز دعم نفسي واجتماعي وعلاجي مع اختصاصيين في العلاج الطبيعي، مشيدًا بما يجري في مدرسة بين دارين بكسلا على يد السيد وليد صالح ومعه الأستاذة سوسن والمجموعة العاملة هناك.
100 بلاغ رسمي
وعن البلاغات الرسمية، أوضح د. عبد القادر أن حوالي 100 بلاغ جرى تسجيله بالتنسيق بين إدارة حماية الأسرة والطفل ونيابة الطفل ومحكمة الطفل والمستشفيات والرعاية الاجتماعية. وأشار إلى أن بعض المناطق لم تُسجَّل فيها بلاغات رسمية لأن الأمر تم أهليًا عبر الكفالة المباشرة في مرحلة أولى. كما أشار إلى أن المستشفيات المتخصصة كمستشفى النو، ومستشفى أحمد قاسم، ومستشفى الفتح، أدّت دورًا كبيرًا في استقبال هذه الحالات ورعايتها.
تمركز جغرافي
وعن توزع الحالات جغرافيًا، أكد د. عبد القادر أن أكثر المناطق تركيزًا تمتد على أواسط أم درمان، وعلى امتداد الأزهري، وعلى امتداد الفتوحات. وأضاف أن الأرقام في هذه المناطق تحركت بين 200 و250 و275 و300 حالة صعودًا ونزولًا، مشيرًا إلى أن الأرقام الدقيقة لم تُحسَم بعد، وأنهم يحتاجون إلى مزيد من تضافر الجهود في ظل ظروف الحرب التي أفرزت موجات من النازحين واللاجئين.
عقبة الموارد
ولا يُخفي د. عبد القادر حجم التحديات التي تواجه إنشاء قاعدة بيانات مركزية متكاملة. ويُفصّل ما يحتاجه هذا الأمر: سيارات متخصصة لكل محلية، ووقود مستمر، وتفريغ مجموعة من الاختصاصيين الاجتماعيين والموظفين، وآليات إدارة الحالة وآليات تتبع الأسر وإعادة توحيدها فضلًا عن إجراءات تشغيلية قياسية تستلزم كوادر متعلمة ومتخصصة وتدريبًا مستمرًا. غير أنه يؤكد: “لها عقبات، ولكن لم نقف على الإطلاق، رغم ذلك نظل مستمرين”. ويُشير إلى أن الوزير يدرك تمامًا أن عقبة الموارد هي من أبرز التحديات على مستوى كافة الولايات، لكن باهتمامه والتقييم المستمر يأمل في تجاوزها.
رسالة للمجتمع
وفي ختام حديثه، لفت د. عبد القادر إلى أن كثيرًا من الناس أخذوا أسرهم وغادروا في أثناء الحرب، بينما تُرك أطفال فاقدو رعاية الوالدين وحدهم. ودعا إلى استثمار الإعلام التنموي في هذا الملف على مستوى الوقاية والعلاج معًا، مؤكدًا أن “الأسرة هي خير كافل لطفل وخير مكان لكل طفل”، ومنبّهًا إلى أن الإيواء المؤسسي يُلحق بالطفل أمراضًا اجتماعية نفسية قد تلازمه طويلًا. وقال: “نحن نريد لكل طفل لا حول له ولا قوة أن نكون بقدر الإمكان راعين له، والمجتمع ولي من لا ولي له”، مشيرًا إلى أن معظم أطفال السودان باتوا بعد الحرب في إطار الهشاشة وفي إطار الاحتياج الشديد للرعاية والحماية والتنمية.

جذر الظاهرة
ترى وزيرة الدولة بوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، د. سليمى إسحق، في حديثها لـ«العودة»، أن الدوافع النفسية والاجتماعية تقف في قلب هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن الأطفال المولودين خارج إطار الزواج ما زالوا يواجهون في أجزاء واسعة من السودان أوضاعًا معقدة ترتبط بالوصمة الاجتماعية ونظرة المجتمع والأسرة.
خوف لا جريمة شرف
وتوضح الوزيرة أن كثيرًا من النساء اللواتي يجدن أنفسهن في هذه الظروف يتصرفن بدافع الخوف من ردود فعل الأسرة والمحيط الاجتماعي، مؤكدةً أن الأمر لا يرتبط بالضرورة بالخوف من القتل أو ما يُعرف بجرائم الشرف، بقدر ما يرتبط بالخشية من العقاب الأسري أو العزل الاجتماعي أو الإهانة والنبذ. وأضافت أن بعض النساء يخشين المساءلة داخل الأسرة أو نظرة المجتمع إليهن، الأمر الذي يدفع بعضهن إلى التخلص من الطفل باعتباره المخرج الأسرع من الأزمة التي يواجهنها.
حمل مرفوض
وأوضحت د. سليمى أن الحمل نفسه يكون في كثير من الحالات مرفوضًا منذ بدايته، سواء نتج عن علاقة تمت برضا الطرفين أو عن اعتداء وإكراه، معتبرةً أن النتيجة النفسية في الحالتين قد تكون متقاربة من حيث رفض الحمل وما يترتب عليه. وقالت إن بعض النساء لا يدخلن تلك العلاقات وهن مستعدات لتحمل مسؤولية طفل قد ينتج عنها، أو لا يتوقعن أصلًا أن تترتب عليها مسؤوليات طويلة الأمد، وعندما يحدث الحمل يصبح بالنسبة إليهن عبئًا غير مرغوب فيه ومحاطًا بالخوف والضغوط الاجتماعية.
الفضيحة تطغى
وأضافت الوزيرة أن المرأة التي تعيش هذه التجربة قد تصل إلى مرحلة تحاول فيها التخلص من الحمل أو آثاره منذ وقت مبكر، وعندما تفشل في ذلك وتجد نفسها أمام طفل وُلد بالفعل، فإن مشاعر الرفض والخوف من الفضيحة قد تطغى على أي روابط عاطفية محتملة تجاهه. وتابعت: “في كثير من الحالات تكون المرأة منشغلة بمحاولة إنقاذ نفسها من الفضيحة أو العقاب الاجتماعي أكثر من أي شيء آخر”.
دور الأسرة
وأشارت د. سليمى إلى أن بعض الأسر قد تلعب دورًا مباشرًا في اتخاذ قرار التخلي عن الطفل أو المساهمة فيه، بدافع الخوف من الوصمة الاجتماعية ذاتها. وأكدت أن هذا الواقع المعقد يستلزم معالجة مجتمعية شاملة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية أو الاجتماعية وحدها، بل تمتد لتشمل تغيير النظرة المجتمعية تجاه هذه الحالات وتوفير بيئة آمنة تُمكّن المرأة من اتخاذ خيارات بديلة بعيدًا عن التخلي.
المادة 146 والخوف المزدوج
يكشف المحامي عثمان العاقب، في حديثه لـ«العودة»، عن الجذر القانوني الحقيقي لهذه الظاهرة. ويقول إن الطفل حديث الولادة إذا عُثر عليه وتوجدت أمه، يُفتح في حقها بلاغ بموجب المادة 146 المتعلقة بالزنا. ويوضح أن هذا هو “الإشكالية الحقيقية التي تواجه هؤلاء الأطفال، وهو السبب الحقيقي الذي يجعل الأطفال في هذا الوضع، لأن الأم تتستر خشية أن تتم إدانتها هي وأسرتها”.
ويُشير إلى أن طبيعة الأسرة الممتدة في السودان تجعل الكشف عن مثل هذه الحالات أمرًا بالغ الصعوبة اجتماعيًا، قائلًا: “ما في أب يُبلّغ عن بنته أو أسرة تُبلّغ عن بنتها”. وبين الخوف من العقاب القانوني الذي تفرضه المادة 146، والخوف من العقاب الاجتماعي ونظرة المجتمع، تجد المرأة نفسها في مأزق يدفعها إلى التخلي عن وليدها بوصفه المخرج الوحيد الذي تراه أمامها.
عقوبة واحدة لحالتين
وفيما يتعلق بالفارق بين الطفل المولود داخل إطار الزواج وذلك المولود خارجه، يوضح العاقب أن العقوبة في أساسها واحدة، غير أن التطبيق يختلف. ففي حالة الطفل المولود داخل الزواج، تواجه الأم عقوبة الإهمال والتخلي عن الواجب القانوني. أما في حالة الأطفال مجهولي الأبوين، فالمشكلة أعمق من ذلك: “الأم أصلاً ما موجودة، وهي لو كانت موجودة والناس عرفتها كان الوضع هنا بيختلف”. ويُضيف أن دار المايقوما لا تقبل طفلًا دون إجراءات قانونية رسمية تمر عبر الشرطة والنيابة، وهي إجراءات لا تتم إلا بعد تطبيق العقوبة على الأم إن وُجدت، “وده المحك الحقيقي اللي الناس يفترض تتناقشه”.

قبيلة مجهولي الأبوين
ويتوقف العاقب عند الجرح الاجتماعي الذي يحمله هؤلاء الأطفال طوال حياتهم. ويقول إن الأطفال مجهولي الأبوين “يشكّلون قبيلة” خاصة بهم، وأن انتقالهم إلى أسر بديلة لم يُجنّبهم الوصمة، بل واجهوا “صدمة كبرى جداً جداً” حين اصطدموا بمجتمع لا يرحم، إذ ظل المسمى القبيح يلاحقهم. ويصف هذه الوصمة بأنها “تتكلم بوضوح وصراحة بأن الطفل ابن حرام، وهذا بحد ذاته كان صدمة غريبة جداً”. ويُشير إلى أنه اشتغل على هذا الملف مع منظمة شمعة ومنظمة نور، واصفًا إياه بأنه “ملف عجيب شديد”.
فراغ قانوني في زمن الحرب
وعن الوضع القانوني لهؤلاء الأطفال في ظل انهيار مؤسسات الدولة، يصف العاقب المشهد بأنه “أكبر مصيبة”. ويقول إن هؤلاء الأطفال لا يجدون بعد الله سبحانه وتعالى من يقف معهم سوى أمثال علي جباي ومبادرته (طيور الجنة). ويُثني على مستشفى النو الذي فتح لهم عنبرًا وأتاح استيعابهم في أحلك الظروف. ويُنبّه إلى إشكالية قانونية بالغة الخطورة تتعلق بهوية هؤلاء الأطفال مستقبلًا، إذ لا توجد حتى الآن سجلات قانونية تُدين أحدًا، ولا آلية فعّالة لإثبات النسب. ويرى أن الحل يكمن في اعتماد تقنية الحمض النووي (DNA) للربط بين الطفل ورقمه الوطني المستقبلي وبين أبويه البيولوجيين عبر قواعد بيانات رقمية، “لكن دي مشكلة كبيرة، ربنا يستر بس”.
شرطة حماية الأسرة والطفل — صمت في مواجهة التوثيق
رسائل بلا رد
حاولت «العودة» مرارًا الحصول على رواية رسمية من الجهة المعنية مباشرةً بهذا الملف. في المرة الأولى، تواصلت الصحيفة مع العقيد حاتم إبراهيم، مدير شرطة حماية الأسرة والطفل بولاية الخرطوم، غير أنه لم يستجب للرسائل ولم يُبدِ أي اهتمام بها على الإطلاق.
ولم تتوقف الصحيفة عند ذلك. توجّهت عبر إدارتها بخطاب رسمي صادر عن المجلس القومي لرعاية الطفولة — الجهة الحكومية المختصة — يحمل توقيع الأمين العام د. عبد القادر عبد الله أبو علي، بتاريخ 02 يونيو 2026، موجَّهًا إلى السيد مدير شرطة حماية الأسرة والطفل بولاية الخرطوم، العقيد حاتم إبراهيم. طلب الخطاب صراحةً التعامل المستمر والمتميز مع الصحيفة وتزويدها بمعلومات تتعلق بحماية الأطفال في البلاد، مشيرًا إلى رغبة المجلس في “إبراز جهودكم المقدرة لحماية الأطفال عامة والأطفال الأكثر هشاشة، وما أصابهم من انتهاكات جسيمة وما في حكمهم من القدرة الراهنة، من 2023 حتى 2026”. وعلى الرغم من صدور هذا الخطاب عن أعلى جهة حكومية مختصة بملف الطفولة، فإن العقيد حاتم إبراهيم آثر الصمت مجددًا ولم يتجاوب مع هذا التوجيه.

المتحدث في مأمورية
بعد إغلاق باب العقيد حاتم إبراهيم، لجأت إدارة الصحيفة إلى المتحدث الرسمي باسم قوات الشرطة السودانية العميد فتح الرحمن التوم، غير أن المتحدث أفاد بأنه في مأمورية في الولايات الشرقية، وانتهت المحاولة دون نتيجة. فشلت المحاولات الثلاث إذن في انتزاع أي تعليق رسمي من شرطة حماية الأسرة والطفل، وهي الجهة المنوط بها قانونًا استقبال البلاغات المتعلقة بالأطفال فاقدي السند ومتابعتها. وبصمتها هذا، أضاعت الشرطة فرصة الإسهام في توثيق ظاهرة إنسانية خطيرة، وأضاعت على المجتمع صوتًا رسميًا في وقت تتضاعف فيه المعاناة.





