رعاة الحرب وصمت العالم: هل كُتب على الأبيض أن تدفع الثمن!؟

بقلم/ السفير د. معاوية البخاري

تمهيد: عندما تصبح الكارثة نموذجاً متكرراً

ما يجري اليوم من تحشيد عسكري وإعلامي حول مدينة الأبيض لا يمكن النظر إليه باعتباره تطوراً معزولاً أو مجرد معركة جديدة في حرب السودان. فالمشهد يحمل بصمات سيناريو سبق أن شهدته البلاد في ود مدني ثم في الفاشر، حيث سبقت الحملات الإعلامية والحشود العسكرية موجات من الدمار الواسع والنزوح والانتهاكات التي دفعت ثمنها المجتمعات المحلية بينما اكتفى العالم بالمراقبة وإصدار بيانات القلق.

 

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الأبيض ستتعرض للهجوم، بل ما إذا كان المجتمع الدولي سيواصل التعامل مع المأساة السودانية بوصفها أمراً اعتيادياً لا يستوجب التدخل أو الردع، وهو يرى أشراطها ويتابع طبولها..

 

أولاً: ود مدني… النموذج الذي فتح الباب

عندما سقطت ود مدني لم تخسر الدولة مدينة استراتيجية فحسب، بل فقد السودان أحد أهم مراكزه الاقتصادية والزراعية والخدمية. ترتبت على ذلك موجات نزوح ضخمة وانهيار في دورة الإنتاج والخدمات وتوسع في رقعة الأزمة الإنسانية.، وقطع الشريان الذي ظل يغذي الخرطوم العاصمة ساعة احتلالها.

ورغم حجم الكارثة، لم يواجه المسؤولون عن تلك الانتهاكات أي ردع دولي حقيقي، الأمر الذي بعث برسالة خطيرة مفادها أن تغيير الوقائع بالقوة المسلحة يمكن أن يمر دون تكلفة سياسية أو قانونية تذكر.

 

ثانياً: الفاشر… الجريمة التي جرت أمام العالم

في الفاشر، تكرر المشهد بصورة أكثر مأساوية. حصار طويل، حملة تجويع ممنهج، قصف متواصل، آلاف الضحايا والجرحى، نزوح جماعي، وانتهاكات واسعة ضد المدنيين.

والأخطر من ذلك أن كل هذه الأحداث جرت تحت أنظار الأمم المتحدة والقوى الدولية والإقليمية. صدرت الإدانات والتحذيرات، لكن غابت الإجراءات القادرة على وقف التصعيد أو معاقبة المسؤولين عنه.

لقد تحولت الفاشر إلى نموذج مؤلم لفشل النظام الدولي في حماية المدنيين عندما تكون الضحية هي السودان، وكأنها عتبة في تقطيع أوصال البلاد.

 

ثالثاً: لماذا الأبيض؟

تمثل الأبيض نقطة ارتكاز استراتيجية بين دارفور وكردفان والوسط السوداني، كما أنها عقدة مواصلات وإمداد بالغة الأهمية.

ولذلك فإن أي محاولة للسيطرة عليها لا تستهدف مكسباً عسكرياً فحسب، بل تهدف إلى إعادة رسم التوازنات الميدانية والسياسية قبل أي تسوية محتملة.

ومن هنا تأتي خطورة التحشيد الحالي، لأنه لا يرتبط فقط بالمعركة العسكرية وإنما بمحاولة فرض واقع جديد على الأرض يمكن البناء عليه لاحقاً في أي ترتيبات سياسية أو تفاوضية.

 

رابعاً: المحاذير الكبرى

1. كارثة إنسانية جديدة

أي مواجهة واسعة داخل الأبيض أو حولها ستدفع مئات الآلاف من المدنيين إلى النزوح، في منطقة تعاني أصلاً من ضغوط إنسانية واقتصادية هائلة وحالة استنزاف مستمر.

2. إنهاك الدولة واستنزاف مواردها

الحرب الطويلة تستنزف الموارد العامة وتضغط على العملة الوطنية وتؤثر على الخدمات الأساسية، بما يضاعف معاناة المواطنين ويقيد قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات.

3. تكريس سياسة الإفلات من العقاب

إذا تكرر سيناريو ود مدني والفاشر دون محاسبة، فإن ذلك يرسل رسالة جديدة بأن استهداف المدن والمدنيين يمكن أن يصبح وسيلة مقبولة لتحقيق المكاسب السياسية والعسكرية، على خلفية فشل المنابر السياسية وخطل سردية (الطرفانية) المدلسة لتبرير الحرب .

 

4. فرض تسوية مختلة

الخطر الأكبر يتمثل في توظيف التطورات الميدانية لفرض تسوية سياسية قائمة على موازين القوة لا على العدالة والاستقرار، وهو ما قد يؤسس لجولة جديدة من الصراع بدلاً من إنهائه، وينذر بمخاطر جمة على وحدة البلاد وأمنها القومي.

 

خامساً: ماذا يمكن للدولة أن تفعل؟

أولاً: نقل المعركة إلى الساحة الدبلوماسية

ينبغي تحويل ملف الأبيض إلى قضية دولية استباقية عبر مخاطبة مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والشركاء الدوليين، وتحميل الجهات الداعمة للتصعيد مسؤولياتها السياسية والأخلاقية.

ثانياً: بناء ملف قانوني موثق

توثيق كل أشكال الدعم العسكري واللوجستي والانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، وإعداد ملفات قانونية متكاملة يمكن استخدامها مستقبلاً أمام الآليات الدولية المختصة.

ثالثاً: كسر الرواية المضادة

الحروب الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بالرواية أيضاً. ومن الضروري مخاطبة الإعلام الدولي والرأي العام العالمي بلغة الأرقام والوقائع والشهادات الموثقة.

رابعاً: تعبئة الجبهة الوطنية

إن حماية المدن لا تبدأ من خطوط القتال وحدها، بل من وحدة الموقف الوطني وتماسك الجبهة الداخلية ورفض تحويل المدنيين إلى وقود للصراع.

 

أزمة الضمير الدولي

ما يثير المرارة في التجربة السودانية ليس فقط حجم الدماء والخراب، بل حالة اللامبالاة التي تقابل بها معاناة السودانيين. فبينما تتسارع الاجتماعات الرباعية والخماسية والدولية، تستمر معاناة المدنيين ومآسيهم وجراحهم وكأنها تفصيل هامشي في المشهد.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً في ود مدني والفاشر، ويخشى كثيرون أن تدفع الأبيض الثمن ذاته. لكن الأخطر من سقوط مدينة أو تراجع موقع عسكري هو أن يتحول الصمت الدولي إلى شريك غير مباشر في إنتاج المأساة وإدامتها.

إن الأبيض اليوم ليست مجرد مدينة مهددة، بل اختبار جديد لمدى جدية الاقليم ومواثيقه في حماية الأوطان، و المجتمع الدولي في حماية المدنيين، واختبار كذلك لقدرة السودانيين على منع تكرار السيناريو الذي أدمى الجزيرة وأحرق دارفور ويهدد الآن قلب كردفان.

 

خاتمة

لقد أصبحت المأساة السودانية واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، ومع ذلك لا تحظى إلا بجزء يسير من الاهتمام السياسي والإعلامي والإنساني الذي تستحقه. ملايين النازحين واللاجئين، عشرات الآلاف من الضحايا، مدن وقرى دمرت، واقتصاد ينهار، ونسيج اجتماعي يتمزق يوماً بعد يوم، بينما يقف الضمير الدولي والعربي والأفريقي عند حدود القلق والمراقبة وإدارة الأزمة بدلاً من السعي الجاد لإنهائها.

 

إن الخطر الحقيقي والكارثة لا تكمن فقط في احتمال سقوط مدينة جديدة أو اتساع رقعة الحرب، بل في اعتياد العالم على مشاهد الموت السودانية حتى تصبح الأرقام بديلاً عن البشر، والإحصاءات بديلاً عن القصص الإنسانية، والبيانات الدبلوماسية بديلاً عن الفعل المسؤول. فحين يصبح قتل المدنيين وتهجيرهم حدثاً متكرراً لا يستدعي سوى بيانات الشجب، فإن ذلك لا يمثل فشلاً سياسياً فحسب، بل انهياراً أخلاقياً وإنسانياً يطال النظام الدولي بأسره.

 

ولعل أكثر ما يثير القلق أن استسهال الأرواح السودانية لن تتوقف آثاره عند حدود السودان. فاستمرار الحرب واتساعها يعني مزيداً من النزوح والهجرة غير النظامية، ومزيداً من هشاشة الحدود، ومزيداً من التهديد لأمن البحر الأحمر ودول الساحل والقرن الأفريقي، ومزيداً من عدم الاستقرار الذي ستدفع المنطقة كلها ثمنه عاجلاً أم آجلاً. فالأزمات التي يُسمح لها بالنمو في الأطراف لا تبقى في الأطراف، بل ستتحول مع الوقت إلى تهديدات إقليمية ودولية وحرائق و بؤر مشتعلة عابرة للحدود.

 

إن الأبيض اليوم ليست مجرد مدينة مهددة، بل جرس إنذار أخير. وإذا كان العالم قد أخفق في ود مدني، حيث جرى اجتياح ولاية الجزيرة بكاملها بعدها، وتردد المجتمع الدولي في الفاشر رغم الحصار والتجويع وهدر الكرامة الإنسانية. وعليه، فإن تكرار المأساة في الأبيض سيبعث برسالة خطيرة مفادها أن حياة السودانيين أقل قيمة في ميزان السياسة الدولية ودولها ومنظماتها. تلك ليست إدانة للسودان وحده، بل شهادة قاسية على عجز الضمير الإنساني المعاصر عن حماية المدنيين الأبرياء عندما يكونون بعيدين عن مراكز النفوذ والاهتمام. ويبقى السؤال معلقاً أمام العالم والعرب والأفارقة جميعاً: كم مدينة سودانية أخرى يجب أن تنزف، وكم طفل وامرأة وشيخاً يجب أن يسقطوا، قبل أن يتحول التعاطف إلى موقف، والقلق إلى فعل، والإدانة للجرائم الموصوفة وفق القانون والمواثيق الدولية بلا قيمة، بل متى يتحولً الصمت إلى مسؤولية جماعية وردع فعلي!؟يا لبؤس القيم والموازين والمواثيق الأممية الزائفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى