بين حسابات الأرقام وحواجز الأرض.. معركة السيادة الاقتصادية في السودان

تقرير – أمين محمد الأمين
في توقيت بالغ التعقيد سياسياً واقتصادياً، جاء توقيع الخرطوم وبكين في بورتسودان على بروتوكول إعفاء جزء من الديون الصينية المستحقة على السودان بقيمة 50 مليون دولار، ليعيد رسم ملامح العلاقات الثنائية بين البلدين، ويثير في الوقت ذاته حزمة من التساؤلات الجوهرية حول القيمة المضافة لخطوة كهذه على واقع الاقتصاد المحلي المأزوم. وبينما تنظر الدوائر الرسمية إلى التنازل الصيني عن أربعة قروض كبادرة لعودة بكين إلى مربع التنمية وإعادة الإعمار، يرى مراقبون أن المحك الفعلي لا يرتبط بـ”إسقاط الأرقام”، بل بمدى قدرة البيئة الراهنة على استيعاب شراكات استراتيجية وتجاوز مهددات الحرب العاصفة.

مواجهة الحقائق
في القراءة المقابلة للمشهد، يرى عضو اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي، كمال كرار، أن البروتوكول الأخير لا يحمل أي جديد، واصفاً إياه بأنه إعادة إنتاج لاتفاق أُبرم في يناير الماضي بين وكيل التخطيط السابق والقائم بالأعمال الصيني. ويشير كرار إلى أن خطوة التوقيع تأتي في سياق بحث وزارة المالية عن إنجاز سياسي وسط أزمة طاحنة، مؤكداً أن القروض المعفاة ضئيلة للغاية ولا تمثل واحداً على الألف من إجمالي الديون السيادية، مما يجعل تأثيرها الاقتصادي الفوري معدوماً.
أوهام العودة
وفيما يتعلق برغبة الحكومة في استئناف نشاط مؤسسة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، يشدد كرار على أن انسحاب الشركة جاء مدفوعاً بظروف الحرب المستعرة في مناطق الإنتاج وتوقف العمليات؛ وبما أن الأسباب الأمنية لا تزال قائمة، فإن الحديث عن عودتها يقع في سياق “الدعاية السياسية الفضفاضة”، كونه ملفاً فنياً يخص وزارة الطاقة لا المالية.

أبعاد استراتيجية
على النقيض من ذلك، تقدم الأكاديمية وخبيرة العلاقات الدولية، الدكتورة سهير أحمد صلاح، قراءة مغايرة تتجاوز الحسابات الرقمية الضيقة؛ إذ ترى في البروتوكول بداية عملية لتثبيت الوجود الصيني الفعلي على الأرض تمهيداً لمرحلة إعادة الإعمار، لاسيما في قطاعات الطاقة، المياه، والزراعة. وتوضح صلاح أن تكامل التكنولوجيا الصينية مع المزايا التفضيلية للزراعة السودانية – خاصة في الولايات التي تشهد استقراراً وتأميناً كالجزيرة، والشمالية، والقضارف، وكسلا – كفيل بتحويل شعار “سلة غذاء العالم” إلى واقع ملموس، شريطة حظر تصدير المواد الخام وتوطين الصناعات التحويلية محلياً.
بدائل مصرفية
وعلى الصعيد المالي، تجزم د. سهير بانتفاء العقبات المصرفية في حال تم اعتماد التبادل التجاري باليوان الصيني عبر الأنظمة التكنولوجية المستقلة التي طورتها بكين، مؤكدة أن استئناف العمل النفطي في هذا التوقيت يُعد حيوياً لتوفير الطاقة والتمويل اللازمين للإعمار، مستفيداً من التصاعد المستمر لأسعار النفط عالمياً.
عقبات هيكلية
بالعودة إلى الملف المصرفي، يرى كمال كرار أن التعاون المالي يصطدم بعقبات فنية وسياسية هيكلية؛ فالتصنيف الدولي للسودان كسوق عالي المخاطر يدفع المصارف الصينية للإحجام عن فتح حسابات مراسلة، يُضاف إلى ذلك ضعف التصنيف الائتماني للبنوك المحلية ومحدودية احتياطي النقد الأجنبي. وينوه كرار إلى أن انهيار الصادرات جراء الحرب جعل الميزان التجاري يميل بشكل صارخ لصالح بكين، مما يحرم السودان من تحقيق أي استفادة حقيقية من مبادرات الإعفاء الجمركي للبضائع الإفريقية ما لم تتوقف الحرب أولاً.
ربط بنيوي
بالمقابل، تلتقي الدكتورة سهير صلاح في نقطة غياب ملفات البنية التحتية الحاكمة – كالسكك الحديدية والطرق القارية – عن التفاهمات الحالية، مؤكدة أن النهوض الاقتصادي وتوزيع الصناعات تفضيلياً بين الولايات لن يتحقق دون ربط مناطق الإنتاج بممرات التصدير، لكنها توجز الخطوة بأنها ركيزة أساسية نحو استقلال القرار القرار السياسي والاقتصادي السوداني والخروج من عباءة الهيمنة الغربية عبر التحالف مع معسكر شرق آسيا وروسيا.
خلاصة المشهد
بين قراءة سياسية متفائلة ترى في الخطوة لبنة أولى لكسر العزلة الدولية وبناء محور اقتصادي مستقل، ونظرة واقعية ترى فيها قفزة فوق حواجز الميدان والتعقيدات الهيكلية، يظل بروتوكول بورتسودان رهين التحولات على الأرض؛ فالأرقام المعفاة والمبادرات المطروحة لن تصنع فارقاً حقيقياً في حياة المواطن ما لم تترجم إلى بيئة آمنة تضمن تدفق الاستثمارات وعودة شريان النفط. إن الرهان الراهن لا يقف عند حدود القدرة على توقيع الاتفاقيات، بل في امتلاك الإرادة والأدوات الكفيلة بتحويل “المنح الدبلوماسية” إلى حلول مستدامة وسط ركام الأزمة.



