علم الدين عمر يكتب : العسجد والنهضة..كيف ولماذا؟؟!!(1-2)..

حاجب الدهشة
ظلت خلال الأشهر الست الماضية أتابع مع أحد أستاذتنا الكبار في الصحافة والإعلام..من الذين تقطعت بهم سُبل المهنة ودروبها طلبه للحصول علي موافقة إدارة السياحة بوزارة الثقافة والإعلام والسياحة علي تسميته كمدير لإسم عمل خاص وصغير..وهو الكبير..حتي فاجأني بالأمس بخبر حول منح بنك السودان لرخصة محول رقمي لشركتين من الشركات الغامضة..
في الدول التي تحترم مؤسساتها..كما هو الأمر مع رخصة إدارة السياحة..غير الخطيرة..تتحول الرخص الإستراتيجية إلى مادة للجدل..لأن الإجراءات تكون أوضح من أن تترك مساحة للتخمين.. أما عندما تصبح الأسئلة أكثر من الإجابات.. فإن المشكلة تتجاوز الرخصة لإدارة الدولة لشأنها في مثل هذه الظروف المعقدة..وفي إدارة المشهد كله..
ولذلك.. فإن الجدل الذي صاحب منح رخصتي العسجد ونهضة لا ينبغي النظر إليه كمعركة بين مؤيد ومعارض..إنه جرس إنذار يدعو لترسيخ ثقافة الإفصاح في واحدة من أكثر القضايا حساسية..وهي إدارة البنية التحتية للمدفوعات الرقمية..
لا أحد بالطبع يعارض التحول الرقمي..ولا أحد يريد أن يبقى السودان أسيراً للأنظمة التقليدية.. لكن كل مشروع يمس أموال المواطنين وبياناتهم وسيادة الدولة الرقمية يجب أن يبدأ بسؤال واحد.. هل إكتملت الشفافية قبل أن تكتمل الإجراءات؟..
أين الإعلان الرسمي الذي يوضح كيف فُتح باب التقديم؟ وكم شركة سودانية تقدمت؟ وما هي معايير الإختيار؟ ومن الذي قيم القدرات الفنية والأمنية؟ وهل كانت المنافسة متاحة للجميع..أم أن البعض عرف الطريق قبل أن تُنصب اللافتات؟!!
هذه ليست أسئلة سياسية..ولا تجريمية ولا هي أسئلة منافسة في السوق..هي أسئلة مهنية بالكامل من صميم موجهات الصحافة والإعلام..فالجهة التي منحت هذه الميزة لهاتين الشركتين لا يكفي أن تكون عادلة.. بل يجب أن تُظهر للناس أنها كانت عادلة..وهذه هي القاعدة الذهبية في الحوكمة الرشيدة..
ثم إن القضية لا تقف عند حدود منح الرخصة..بل تمتد إلى ما بعدها..من يضمن أن تبقى البيانات المالية داخل السيادة الوطنية؟ ومن يراقب الشركاء التقنيين إن وجدوا؟ وما هي الضمانات التي تحول دون أي اختراق أو تعطل أو إساءة إستخدام؟ وهل خضعت الأنظمة لمراجعات أمنية مستقلة؟ وهل توجد خطط واضحة لإستمرارية الخدمة إذا تعرضت المنصات لأي أزمة؟ هذه هو الشرط..أما جوابه فكيف تم منح هذه الشركات تلك الميزات..وهل هذا الأمر متاح للآخرين؟؟
إننا لا نطلب في هذا الإطار أسراراً سيادية..فقط نسأل عن حق الرأي العام الطبيعي في معرفة القواعد التي تُدار بها ملفات تمس مستقبل الإقتصاد الوطني..وسيادة الدولة ورقابة الشعب عليه..
المسؤولية الأكبر تقع على عاتق بنك السودان المركزي.. فهذه فرصة ليؤسس لسابقة محترمة في الإدارة العامة..بنشر معايير التأهيل.. وإجراءات التقييم.. وضوابط الترخيص.. وليعلن بوضوح أن الباب سيظل مفتوحاً أمام كل شركة سودانية تمتلك الكفاءة وتستوفي الشروط نفسها..دون تمييز أو إستثناء..
الإقتصاد الحديث لا يعتمد فقط علي التطبيقات الذكية فهو يقوم من الأساس على الثقة والثقة تتطلب أن تصبح الشفافية سياسة.. والإفصاح منهج دولة ومؤسسات.. السودان وهو يعيد بناء اقتصاده بعد هذه الحرب المدمرة يحتاج إلى إستثمارات بلا شك..لكن الإستثمار نفسه لا يبحث أولاً عن التكنولوجيا..بل يبحث عن مؤسسات يمكن الوثوق بها..
هذه هي القضية..منح الرخصة بهذه الطريقة الغامضة قد يفتح منصة للدفع.. لكن الشفافية وحدها هي التي تفتح حساباً دائماً في بنك الثقة..
نعود



