المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة- 16/4

طائر الفينيق الأسمر عصر الظل والنهوض الصامت (1500 ق.م – 750 ق.م)
*عندما ينام النهر ليجمع قوته*
حين سقطت كرمة العظيمة عام 1500 قبل الميلاد تحت سنابك خيل الفراعنة في الدولة المصرية الحديثة، اعتقد الجميع أن القصة انتهت، وأن كوش أصبحت مجرد مقاطعة تابعة تُجبي منها الذهب والأبنوس. انطلق التاريخ في مسارات دائرية مفاجئة؛ فبينما كانت القلاع المصرية تُبنى على طول الشلالات لتأمين نفوذ طيبة، كانت الأرض السمراء تمتص الصدمة وتستعد لولادة جديدة. هذا الجزء يروي قصة ذوبان ثقافي فريد، وتجهيز صامت لأعظم عودة شهدها العالم القديم.
*قرون التلاقح والذوبان (1500 ق.م – 1070 ق.م)*
تحولت كوش في هذه الفترة إلى مختبر ثقافي غني. أدار المصريون المنطقة عبر نائب ملكي لُقب بـ “ابن الملك في كوش”، فتدفقت قوافل الذهب والماشية والجلود شمالاً، ومقابل ذلك، عبرت العمارة والطقوس الدينية نحو الجنوب. عند منحنى النيل الشهير قرب الشلال الرابع، وقف جبل البركل معزولاً ومهيباً، فرأى فيه المصريون مسكناً لإلههم آمون، وجد فيه الكوشيون رمزاً للقوة الكونية الخالصة. أُقيمت المعابد عند قاع الجبل، وتحول هذا المكان إلى نقطة الارتكاز الثقافي التي غيرت مجرى التاريخ لاحقاً. تشرّب النبلاء الكوشيون علوم الإدارة والسياسة والكتابة، وأعادوا صياغتها بروحهم المحلية، منتظرين السانحة الكبرى.
كان سقوط كرمة البداية لقرون طويلة من التلاقح الثقافي والديني في جبل البركل، ومع تراخي قبضة الشمال وتراجعه، ولدت نبتة من رحم هذا التمازج لتعلن بداية عهد جديد.
*حين تراجع الشمال.. نهضت نبتة (1070 ق.م – 850 ق.م)*
أطلت نهاية الأسرة العشرين في مصر حاملة معها التشرذم والفوضى السياسية. انكمش النفوذ المصري وانحسر شمالاً، تاركاً وراءه فراغاً هائلاً في الجنوب. في قلب هذا الفراغ، بزغ نجم نبتة الواعدة، فتجمعت العائلات الكوشية النبيلة حول جبل البركل، وأسست كياناً سياسياً قوياً استفاد من طرق التجارة المحررة من الرقابة الخارجية. تحولت نبتة من مجرد مدينة دينية وثقافية إلى عاصمة سياسية واقتصادية وليدة، تجمع حولها القبائل والممالك الصغيرة في السودان القديم لحمايتها وإعادة بناء الأمجاد العتيقة.
*ألارا وكاشتا: واضعو حجر الأساس (850 ق.م – 750 ق.م)*
دخل المسرح قادة حقيقيون خرجوا بمملكة نبتة من المحلية إلى الإقليمية. تزعم الملك ألارا الأسرة الملكية النبتية، وتذكر النقوش فضله في توحيد أقاليم كوش العليا وتأمين حدودها، وإعادة إحياء عبادة آمون الكوشي في جبل البركل بروح وطنية جديدة، تعكس وعياً عميقاً بشرعيته المقدسة كملك كوشي خالص.
خلفه شقيقه الملك كاشتا حوالي عام 760 قبل الميلاد، طامحاً إلى ما وراء حدود كوش. نظر كاشتا إلى مصر الممزقة برؤية المنقذ، فتحرك بجيشه شمالاً، وفرض سيطرته على طيبة عاصمة مصر الدينية، ونصب نفسه فرعوناً. في خطوة سياسية عبقرية، جعل ابنته أمنرديس الأولى تتولى منصب الزوجة الإلهية لآمون في طيبة، وهو أعلى منصب ديني وسياسي نسائي هناك، ليضمن ولاء مصر العليا بأمان كامل.
*ومضة تاريخية:*
في هذه المرحلة (حوالي 750 ق.م)، غدت نبتة قوة فتية، منظمة، تدفعها عقيدة دينية قوية ترى في نفسها الحامي الحقيقي لإرث وادي النيل القديم. المسرح الآن مهيأ تماماً لظهور الملك الذي سيقلب موازين الشرق الأدنى القديم بالكامل.
نواصل.



