انتظار… قبل الانتصار

أَسْرَى… وأُسَر
بقلم/ اسماعيل شريف
ليس أصعب من الأَسْر إلا الانتظار.
الانتظار الذي لا يعرف موعداً، ولا يحمل وعداً، ولا يمنح صاحبه سوى المزيد من الأسئلة. في كل بيت غاب عنه أسير أو محتجز، تتوقف عقارب الزمن عند لحظة الوداع، وتبدأ حياة جديدة عنوانها الترقب.
هناك أمٌّ تفتح باب منزلها كلما سمعت وقع خطوات في الخارج، لعلها تسمع الصوت الذي اشتاقت إليه. وهناك أبٌ يخفي دموعه خلف صمته، بينما يردد في داخله «حتماً سيعود.» وهناك زوجة تؤجل قرارات الحياة لأن شريك عمرها لم يعد بعد، وأطفال يكبرون وهم يحفظون ملامح آبائهم من الصور أكثر مما يحفظونها من الذاكرة.
وهناك أيضاً نساءٌ يقبعن خلف الأسوار. لكل واحدة منهن أمٌّ يرهقها الانتظار، وأبٌ يرفع كفيه بالدعاء، وإخوة وأخوات يترقبون خبراً يبدد هذا الغياب. فالانتظار لا يفرق بين رجل وامرأة، ولا يعرف اسماً أو صفة؛ إنه يمضي إلى القلوب جميعاً، داخل الأسوار وخارجها.
وفي مكان آخر، يقف من بلغه خبر وفاة أو مقتل قريب له، لكنه يرفض أن يصدق. يتمسك بخيط رفيع من الأمل، ويقول «ربما يكون خلف الأسوار… ربما يكون اسمه بين قوائم الأسرى… ربما يعود ذات يوم ويدحض كل الأخبار.»
الانتظار ليس مجرد حالة نفسية، بل هو حياة كاملة تُعاش بين الرجاء والخوف. هو فنجان قهوة يبرد كل صباح، ومقعد يظل خالياً على مائدة الطعام، وهاتف لا يفارق اليد، وخبر عاجل قد يبدل مصير أسرة بأكملها.
وفي المقابل، يعيش الأسرى والمحتجزون انتظاراً آخر؛ انتظار الحرية، وانتظار رسالة، أو زيارة، أو صوت يطمئنهم أن من يحبونهم ما زالوا هناك، ينتظرونهم كما ينتظرون هم الخلاص.
إن إطلاق سراح الأسرى والمحتجزين لا يعني استعادة أحبة فحسب، بل يعني أيضاً إنهاء سنوات من القلق، وإغلاق ملفات معلقة، ومنح آلاف الأسر حقاً إنسانياً بسيطاً اسمه اليقين. فاليقين، مهما كانت قسوته، أرحم من انتظار لا نهاية له.
هذه الكلمات ليست عن السياسة بقدر ما هي عن الإنسان؛ عن الغياب حين يطول، وعن البيوت التي تعلمت أن تعيش على الأمل، وعن قلوب لم تتوقف يوماً عن الدعاء، وعن وجوه أرهقها الانتظار وما زالت تؤمن أن للعودة موعد.
لأن هناك من يقف خلف الأبواب… ينتظر.



