أَسْرَى… وأُسَر (3) اليقين المؤجل

بقلم: إسماعيل شريف
في الحروب، لا يكون الموت دائمًا هو أقسى ما يواجه الإنسان، بل الغياب الذي يرفض أن يمنح أهله يقينًا. هناك من يشيع ابنه إلى مثواه الأخير، فيبكي حتى تجف الدموع، ثم يبدأ رحلة التعايش مع الفقد. وهناك من لا يملك قبرًا يقرأ عنده الفاتحة، ولا شهادة وفاة يضمها إلى أوراقه، ولا شاهدًا يبدد شكه، فيظل معلقًا بين الأمل واليأس، بين الحياة والموت، وبين خبر يتردد على الألسن وقلب يرفض التصديق. ذلك هو اليقين المؤجل. في السودان اليوم، لا تعيش المأساة داخل المعتقلات وحدها، بل تمتد إلى آلاف البيوت التي فقدت أبناءها، ولا تعرف هل تنتظر عودتهم أم تبكي رحيلهم. إنها معاناة لا تُحصى بالأرقام، لأن لكل اسم حكاية، ولكل غائب أسرة تعيش على سؤال واحد أين هو؟
قبل أيام، قرأت كلمات كتبتها ابنة أحد المفقودين. لم تكن تناقش السياسة، ولم تتهم أحدًا، ولم تبحث عن خصومة مع أحد. كانت فقط تتمسك بخيط رفيع من الأمل. قالت، بمعنى كلماتها، إنها لا تستطيع أن تصدق خبر وفاة والدها داخل أحد المعتقلات، لأن أحدًا لم يسلمه إليها، ولأن الجثمان لم يعد، ولأن شهادات الخارجين من الأسر، مهما بلغت صدقيتها، تبقى شهادة بشر قد يخطئون أو يلتبس عليهم ما رأوه في زحام المأساة. تريد الحقيقة… أيًّا كانت. ولأول وهلة قد يظن البعض أن ذلك مجرد إنكار لواقع مؤلم، لكنه في الحقيقة تعبير عن حاجة إنسانية عميقة. فالإنسان يستطيع أن يتصالح مع الحقيقة مهما كانت موجعة، لكنه يعجز عن التعايش مع الغموض. إن اليقين، حتى حين يكون مؤلمًا، أرحم من انتظار لا يعرف نهاية. هذه ليست قصة أسرة واحدة، بل قصة وطن بأكمله.
كم من أم لا تزال تترك ضوء المنزل مضاءً كل مساء، وكأنها تقول لابنها الغائب الطريق ما زال يعرفك. وكم من طفل يسأل عن أبيه كل صباح، فيسمع الإجابة نفسها: “سيعود إن شاء الله”. وكم من زوجة ما زالت تحتفظ بملابسه كما تركها، رافضة أن تعلن نهاية قصة لم ترَ خاتمتها بعينيها. الحروب لا تقتل بالرصاص وحده، بل تقتل بالأسئلة التي تظل بلا إجابة، وبالأبواب التي تبقى نصف مفتوحة، وبالقلوب التي لا تعرف هل ترتدي ثوب الحداد أم ثوب الانتظار.
لهذا، فإن قضية الأسرى والمفقودين ليست ملفًا سياسيًا فحسب، وليست بندًا تفاوضيًا يمكن تأجيله إلى جولة لاحقة. إنها قضية إنسانية تمس كرامة الإنسان وحق أسرته في معرفة الحقيقة. قد يعود بعض الأسرى إلى بيوتهم، وقد يثبت أن بعض المفقودين قد رحلوا، لكن ما لا يجوز أن يستمر هو أن يبقى آلاف السودانيين أسرى للشك، يتقاسمون أعمارهم بين خبر لم يثبت، وأمل لم ينطفئ.
إن السلام لا يبدأ بتوقيع الاتفاقات فقط، بل يبدأ أيضًا عندما يعود كل إنسان إلى أهله، أو تصل إلى أهله الحقيقة كاملة، بلا مواربة ولا إنكار. فليس أقسى من الفقد… إلا الفقد الذي لا يحمل يقينًا. ونحن نكتب هذه السطور، لا ندّعي أننا نملك الإجابات، لكننا نؤمن بأن من حق كل أم، وكل أب، وكل زوجة، وكل طفل، أن يعرفوا الحقيقة.
ننتظر اليقين المؤجل… لعلنا نمنح الناس بعض اليقين.



