سراج الدين مصطفى يكتب : الهادي أدم .. كيف ظلمته وأنصفته أغنية واحدة !!

نقر الأصابع ..
يحتل الهادي أدم مكانة خاصة في وجدان الشعر السوداني والعربي معا فهو شاعر جمع بين عمق الرؤية ورهافة الحس في نسيج لغوي فريد من نوعه. قدم للشعر العربي مفردة سودانية أصيلة استطاعت أن تعبر الحدود وتجد طريقها إلى القلوب في مختلف الأقطار العربية. كان حضور النيل والريف واضحا في تشكيل وعيه الشعري ومنحه بعدا إنسانيا مميزا.
لقاء مع كوكب الشرق:
جاءت لحظة التحول الكبرى في حياة الهادي أدم عندما زارت أم كلثوم السودان عام 1968 لتغني لمصلحة المجهود الحربي بعد نكسة 1967. كانت الزيارة فرصة للبحث عن نصوص شعرية عربية فوقع اختيارها على قصيدة أغدا ألقاك. تلك القصيدة التي حملت بين سطورها عذوبة الحرف السوداني وجمال التعبير الصادق عن مشاعر إنسانية نبيلة.
إبداع خالد بحلته الجديدة:
قدم الموسيقار محمد عبد الوهاب للحن القصيدة بصياغة موسيقية راقية جعلتها تتناغم مع الكلمات بشكل بديع. وقد تطلب تقديم العمل وقتا بسبب رحيل الرئيس جمال عبد الناصر فتأجل غناؤها حتى مايو عام 1971. كانت الليلة التي صدحت فيها أم كلثوم بالقصيدة في سينما قصر النيل حدثا فنيا تاريخيا سجل في ذاكرة الفن العربي.
تنوع إبداعي متعدد الأوجه:
لم يقتصر إبداع الهادي أدم على قصيدة أغدا ألقاك بل ترك إرثا شعريا غنيا يضم دواوين مثل كوخ الأشواق ونوافذ العدم وعفوا أيها المستحيل. كما كتب مسرحية سعاد التي حملت بصمته الإبداعية وإن لم تحظ بانتشار واسع. وقد تم جمع أعماله الكاملة في طبعة خاصة عن مؤسسة أروقة للثقافة والفنون.
جذور راسخة في عمق الأرض:
ولد الهادي أدم في قرية الهلالية عام 1927 وتلقى تعليمه الجامعي في مصر حيث درس بكلية دار العلوم ثم التربية بجامعة عين شمس. كانت البيئة الزراعية على ضفاف النيل الأزرق مصدر إلهامه الأول ورسخت في وجدانه قيما إنسانية نبيلة ظهرت جليا في نتاجه الشعري الذي يفيض بالدفء والعاطفة الصادقة.
مسيرة تعليمية وفكرية غنية:
عمل الهادي أدم معلما بوزارة التربية في السودان بعد عودته من مصر وكانت له إسهامات في تطوير المناهج التعليمية. وقد حظي بتقدير المؤسسات الأكاديمية حيث منحته جامعة الزعيم الأزهري الدكتوراة الفخرية تقديرا لإسهاماته الأدبية المتميزة. كانت حياته حافلة بالعطاء الفكري الذي ترك أثره في الأوساط الثقافية السودانية.
ظلم الشهرة:
صحيح أن قصيدة أغدا ألقاك حققت شهرة واسعة للهادي أدم لكن هذه الشهرة ظلمته في الوقت نفسه. فقد طغت شهرة هذه القصيدة على مجمل أعماله الشعرية الأخرى مما جعل كثيرا من إبداعاته تظل في الظل بعيدا عن دائرة الضوء. وهذا يذكرنا بقاعدة أن الشهرة الواسعة قد تحجب جوانب أخرى من الإبداع.
إرث خالد:
رغم رحيل الهادي أدم في ديسمبر عام 2006 إلا أن إرثه الشعري لا يزال حيا يتناقله الأجيال. لقد أثبت أن الشاعر السوداني قادر على كتابة شعر يضاهي أفضل ما كتب في الشعر العربي. تظل أغدا ألقاك شاهدة على عبقرية هذا الشاعر الذي استطاع أن يلامس القلوب بكلماته العذبة وأن يخلد اسمه في تاريخ الشعر العربي الحديث.



