حكومة جنوب السودان.. إدارية أبيي.. نقض العهود والمواثيق

ملح الأرض
خالد ماسا
وربما رأت حكومة دولة جنوب السودان بأن انشغال الخرطوم بصداع الحرب المشتعلة لمدة أربعة سنوات يمثل الجو المناسب تمامًا لتمرير ما لم تستطع، في أوقات سابقة، تمريره فيما يخص إدارية أبيي، المنطقة الحدودية بين البلدين والمتنازع عليها منذ وقت طويل، لتصدر مفوضية الانتخابات القومية في دولة جنوب السودان إعلانًا عن (102) دائرة انتخابية، بينها (12) دائرة في واراب ومنطقة أبيي.
وبالضرورة لا يمكننا النظر إلى هذا القرار بأنه الخطأ المرتكب في حدود جهل المفوضية القومية للانتخابات بدولة الجنوب بالوضعية الخاصة التي تقع فيها إدارية أبيي بموجب “بروتوكول أبيي” الموقع بين حكومة السودان والحركة الشعبية وقتها في العام 2005م، بل إن هذا القرار صدر بوعي كامل من حكومة جنوب السودان تستبطن فيه فرض الأمر الواقع على حكومة السودان فيما يخص الوصاية على إدارية أبيي، وأن حكومة الخرطوم لديها من المشغوليات التي صنعتها الحرب ما يجعل هذا القرار عبئًا إضافيًا على أكتافها، إضافة إلى أعباء الحرب، وأن الخرطوم لديها مواجهات قانونية حامية الوطيس على طاولة المجتمع الدولي، وبالتالي فإن ملفات الحرب تستنزف لياقتها الدبلوماسية.
وبإدراجها لإدارية أبيي ضمن الدوائر الانتخابية، فإن حكومة دولة جنوب السودان تريد صناعة واقع قانوني جديد خارج إطار التفاوض الذي تم اختياره مسارًا لحسم الخلاف حول هذه المنطقة.
(*) بروتوكول أبيي.. مرجعية لا تحتمل التأويل..
وهذا البروتوكول، الذي ظل جزءًا من الاتفاق الشامل بين طرفي التفاوض في نيفاشا، من يقرأ نصوصه سيعرف بأنها نصوص قطعية الدلالة ولا تحتمل التأويل، وأنها لم تُكتب بلغة حمّالة أوجه، والنص في البروتوكول لم يعطِ أي طرف من الأطراف حق الضم بشكل منفرد، كما هو واضح في القرار الصادر من المفوضية القومية للانتخابات بدولة جنوب السودان، بل تحدث عن وضعية خاصة ومؤقتة للمنطقة، وأن الانتقال من هذه الوضعية المؤقتة إلى الوضع النهائي تحسمه الآليات المتفق عليها في البروتوكول.
ووضعية إدارية أبيي محمية بنص البروتوكول، الذي اكتسب قوته ومشروعيته من ضمانات مشاركة المجتمع الدولي في اتفاقية السلام، وهنا بالضرورة لا يمكن أن يعلو قرار صادر من مفوضية انتخابية على نص البروتوكول، ما لم تكن دولة جنوب السودان تنوي الالتفاف حول البروتوكول بالكامل ونقض الميثاق الموقع آنذاك.
والبروتوكول الموقع ناقش حتى تلك التفاصيل التي يبحث عنها “الشيطان” والمتعلقة بشرح كيفية إدارتها عن طريق مجلس تنفيذي محلي إلى حين الوصول لنقطة الاستفتاء وتقرير المصير، كما أن من صاغ البروتوكول كان يعلم بأن التنازع بين الدولتين في هذه المنطقة جزء من أسبابه أنها منطقة غنية بالموارد النفطية، ولذلك وضع نسبًا محددة لتقسيم عائدات النفط، وربط الوضع النهائي باستفتاء دينكا نقوك حول الانضمام لدولة جنوب السودان أو البقاء ضمن الدولة السودانية.
ليجيء اتفاق 2011م ليؤكد أنها منطقة منزوعة السلاح، وتم نشر قوات لحفظ السلام فيها (يونيسفا).
وقرار المفوضية القومية للانتخابات بدولة جنوب السودان لم يحترم كل ما تم التوقيع والاتفاق عليه في بروتوكول 2005 واتفاقية 2011م، بل إنها، بقرارها هذا، ضربت بالقرار الصادر من مجلس الأمن عرض الحائط، القرار 1990 (2011) المتعلق بحماية الإدارية ومراقبة الحدود، وكذلك القرار 2179 (2014) الذي أكد الإجراءات المؤقتة في أبيي وخلوها من أي مظاهر عسكرية لطرفي النزاع، وكان القاسم المشترك في هذه القرارات هو رفض فرض القرارات الأحادية من جانب واحد، واعتماد آلية التفاوض بين الطرفين لحسم الأمر، وهذا بالضرورة ما لا يقود إليه مثل القرار الصادر من المفوضية القومية للانتخابات بدولة جنوب السودان.
(*) فشل المحاولات السابقة..
القرار الصادر من مفوضية الانتخابات، والذي شمل أبيي ضمن الدوائر الانتخابية المزمع عقدها بدولة جنوب السودان، لم يكن “الحيلة” الأولى التي قامت بها حكومة دولة جنوب السودان فيما يتعلق بالنزاع بين البلدين في هذه المنطقة، فالمعروف بأنها، ولتحقيق ذات الهدف، كانت قد أجرت استفتاءً في الإدارية أرادت به فرض ما تريد فرضه الآن، لكنها اصطدمت بعدم الاعتراف الدولي بنتيجة الاستفتاء.
وما فشلت فيه عن طريق الاستفتاء الأحادي تريد أن تفرضه بالقرارات الإدارية، لتصبح أبيي بشكل تدريجي تحت ولاية حكومة جنوب السودان.
وما يحدث الآن بسبب هذا القرار في منطقة أبيي كان سيكون صالحًا لأن يكون فصلًا في كتاب “جنوب السودان.. التمادي في نقض العهود والمواثيق” لنائب الرئيس السابق في دولة جنوب السودان أبيل ألير، وهو سيناريو متجدد، ويبدو أنه لن يتوقف عند هذا الحد، طالما أن العلاقة بين البلدين لا تعرف الاستقرار ولا الثقة المتبادلة.
ويأتي السؤال المهم هنا: هل كان هذا الإجراء سيتم لولا أن الخرطوم مشغولة بالحرب؟ وأن ما تسمعه أذن الخرطوم من اللسان الرسمي لحكومة جنوب السودان بخصوص موقفها من الحرب، والحديث عن “الحياد” والحفاظ على حسن الجوار، كل هذا تنسفه مثل هذه القرارات غير المسؤولة.
ولا يمكن النظر إلى قرارات حكومة جنوب السودان على أساس أنها في إطار نزاع حدودي بين البلدين، بل يجب النظر إليها من زاوية أن سيادة منطق نقض العهود والمواثيق في الإقليم من شأنه أن يخلق بؤر نزاع جديدة لا يتحملها الإقليم ولا يتحمل كلفتها.
وعلى حكومة دولة جنوب السودان أن تفهم بأن السيادة لا يتم بناؤها بمثل هذه القرارات، بل باحترام العهود والمواثيق واللجوء إلى طاولات التفاوض للوصول إلى الحل، ومثل هذه القرارات قد تخلق أزمة جديدة، لكنها لا تمنح الشرعية، ووضعية الحرب التي يعيشها السودان ليست حكرًا عليه، وما من حصانة تمنع انتقالها إلى الجنوب، وهو الذي يعيش أوضاعًا هشة تجعله مؤهلًا لفرض أزمات جديدة.



