بروفيسور مأمون حميدة يكتب: المتميزون: رائد زراعة الكُلى (٢)

كان عمر بليل طبيباً عاماً ثم مساعد تدريس في كلية الطب بعد أن تميز ونال جائزة كتشنر التي تمنح لأميز طالب على مدى أعوام الدراسة. ثم جلس لإمتحان الجزء الأول لزمالة الجراحين ذلك الإمتحان الذي ينعقد في كلية طب الخرطوم المركز الوحيد في أفريقيا لما كان لكلية طب الخرطوم مكانة عند الكليات الملكية بلندن وعند كبار الأخصائيين بأنجلترا – وأذكر أن جراحاً بريطانياً مرموقاً عمل في قسم الجراحة بالكلية ناذراً نفسه لتعليم الطلاب السودانيين وافته المنية وهو بالسودان ووُجد في وصيته أن يدفن في الخرطوم ودفن في مقابر المسيحيين بالخرطوم ولما كان قد نال درجة رفيعة من الملكة غطى تابوته بالعلم البريطاني وجهز الجثمان في السفارة البريطانية.
إعتاد بروفيسور عمر بليل على حصد الجوائز الأكاديمية فنال جائزة مشروع الجزيرة عند دخوله الجامعة – وقيمتها ثلاثون جنيه سنوياً كانت كافية له ولأخيه عثمان على مدى أعوام الدراسة. نال مرتين جائزة هالت (Hallet) للجراحة وهي جائزة مفتوحة التنافس بين الإنجليز وغيرهم فنالها في الخرطوم لنجاحه بتميز في الجزء الأول، والثانية عام 1968 عندما إجتاز إمتحان التخصص في الجراحة بلندن – ليصبح أصغر جراح في عمر 29 عاماً.
في نفس ذلك العام بعد أن بدأ عمر تدريبه في جراحة المخ والأعصاب بمستشفى جامعة لندن أصيب بمرض الفشل الكلوي والذي تستر عليه حرصاً على راحة الآخرين زوجه نجاة الكارب وأسرته في مدني. كان الفشل الكلوي في الستينات من القرن الماضي شهادة وفاة والغسيل الكلوي في بداياته عن طريق البرتون المؤلم وزراعة الكلى في طور التجارب. أيقن عمر وهو الطبيب البارع أن أيامه قد وصلت نهاياتها – فقرر ترك إنجلترا والعودة لمدني ليعيش أيامه الأخيرة حيث يطلب الموت الهادئ بين أسرته ليعفيهم عن المعاناة والتكلفة التي تطال الموت في إنجلترا من نقل للجثمان والعودة في صندوق.
عاش عمر بليل 22 عاماً بعد زراعة الكلى قدم فيها للسودان والبشرية الكثير – كان همه الأول هو الإنجاز والدفع بحركة التطور والنمو. وقد جلستُ إليه في منزله بحي المطار عندما كان مديراً لجامعة الخرطوم (1981 – 1985) وأحسست ان الرجل عاهد نفسه أن يرد نعمة الله عليه بأن أبقاه لحياة ثانية أن يبذل الكثير والمزيد من العمل الصالح. والمتتبع لحياة الرجل يحس أن بروف عمر بليل كان على عجلة من أمره ولكن بإتزان لا هلع.



