علم الدين عمر يكتب : د.المناعي.. شهادة عصر.. مشحونة بالوفاء والشجن

حاجب الدهشة ..

..كنت حتي وقت قريب أباهي أقراني بإستحالة أن تشرق عليٓ الشمس وتغرب دون أن أقرأ كتاباً واحداً علي الأقل.. العادة التي أدمنتها وأتخذتها منهجاً لسنوات.. ليقيني أن من لا يقرأ لن يكتب.. وإن كتب فسيكون خصماً علي سفر الإنسانية المخطوط.. مرتكباً لجريمة ممتدة الأثر.. حتى أتى علينا زمان المسغبة والحرب والدمار فأصبحت المعايشة والمعاصرة والتجربة هي محفز الكتابة الأبرز ومستفزها اللحوح.. والحال كذلك أهداني الصديق الحبيب الدكتور عبدالعاطي المناعي.. وهو القارئ النهم والكاتب النحرير.. سفره المكتوب بمداد المحبة علي قراطيس الوفاء الذي قدمه بإعلان الحب لبلد سكنني قبل أن أسكنه.. تأبت عليّ (العوينات) التي أضناها الأسى ومُر الذكريات سلاسة إلتهام الحروف.. كما العادة.. فتلمظتها.. مثل الثلج.. قاسية وممتعة ومشجونة.. فقد قدم الرجل بين يدي ما وصفها بحكاية إنسان وجد في السودان ما لم يجده في أي مكان آخر.. فصاحب (ترافكير) للسياحة العلاجية المولود بقنا صعيد مصر اتخذت روحه من المحبة صعيداً موغلاً في محبة السودان وأهله.. فمذ عرفت الرجل منذ سنوات.. لا أذكر عددها.. ولكنها كثيرة.. طويلة.. ما وجدته إلا عاشقاً للسودان كإبن بار من أبنائه..

خط دكتور عبدالعاطي سفره الموسوم ب(السودان.. الحرب والرماد.. شهادتي علي زمن الإنهيار) بين فصل أول قدمه بحين يصبح الإنسان إبناً لبلدين وأخير ختمه ب(لماذا بدأت الحرب وكيف أنتهت).. متنقلاً بينهما بمشاهداته الشخصية كشاهد علي العصر.. إستقبل الطلقة الأولي.. وعاصر الحريق.. وأستلهم قصص الأسطورة والصمود والألم والأمل.. قال أنه كتبها حتي لا تضيع المشاعر في صخب النسيان.. كانت الصفحات تتداعى أمامي في مرحلة القراءة الأولي.. وسرعان ما ألتقطت أنها أول محاولة حقيقية لسرد الأحداث كما هي.. وصفها صاحبها بأنها محاولة وفاء وسجل شهادة وحنين لا ينتهي..

وصف الكاتب كل شيئ من مكمنه الأول علي بعد خطوات من المدينة الرياضية حيث بدأت الأحداث.. وقصة صموده الأسطوري تحت القصف والتدوين والرعب لأكثر من شهر.. كيف تدبر.. مثل الذين أجبرتهم الظروف علي التمترس تعلقاً بالأمل مأكله ومشربه.. قصص وروايات صغيرة.. مؤثرة.. ثم حكي قصة نزوحه..نحو العمق السوداني وبقائه في ود مدني حتي سقوطها المدوي.. عثرات الطريق وإشراقاته.. ومكامن الخوف والقلق.. والنخوة.. وأخلاق السودانيين التي هزمت الحرب والإعتداء ورسمت الأمل..

تلك مخطوطة محترمة.. جديرة بالإحترام والإهتمام.. شكلت بلا شك إضافة نوعية للمكتبة السودانية والمصرية والإنسانية في توثيق ما جري ويجري علي أرض السودان.. من زاوية مختلفة.. محبة.. ومشفقة..

أواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى