الحوار الوطني السوداني.. ضرورة أم مناورة سياسية؟

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
هناك، وحيث يطل المبنى الفخم “قاعة الصداقة” على شاطئ النيل، بتاريخ سبتمبر 1989م، أي بعد مضي ثلاثة أشهر من انقلاب يونيو على النظام الديمقراطي في السودان، احتشد ما يزيد على ألفٍ للمتابعة، إضافة إلى 90 من السياسيين والأكاديميين تمت دعوتهم لإضفاء الطابع المتعدد والطابع القومي داخل القاعة الباردة والمكيّفة، تلبيةً لدعوة كانت قد أطلقتها السلطة الانقلابية تحت عنوان ليس بالجديد على السياسة السودانية، وهي دعوة “الحوار الوطني”. ووجّه، خلال جلسته الافتتاحية، رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك ورئيس الجمهورية عمر حسن أحمد البشير الدعوة لقائد الجيش الشعبي لتحرير السودان العقيد جون قرنق دي مبيور للحضور والمشاركة في الحوار الوطني والتفاوض حول سلام يوقف الحرب في الجنوب.
وبالضرورة قد لا نحتاج إلى سرد تفاصيل ما حدث بعد ذلك، وما أسفرت عنه الدعوة الأولى للحوار الوطني في عهد نظام الإنقاذ، فهي تحمل ذات “البصمة الوراثية” لنتائج دعوات الحوار الوطني بين الفرقاء السودانيين منذ تحلقهم حول ما تمت تسميته بمؤتمر “الدائرة المستديرة” 1964م، واتفاقية الميرغني/ قرنق في كوكادام 1988م.
ظل صوت الرصاص هو الأعلى من تلك الدعوات، والخطاب السياسي “الرومانسي” داخل القاعات، وظلت المسافات تتباعد بين مكونات النادي السياسي في السودان، بل وانتقلت اللغة الباردة للحوار من منصات “قاعة الصداقة” إلى لغة “بيوت الأشباح”، ولم يعد المناخ مناسبًا للحوار الوطني كمدخل للمصالحة الوطنية السودانية.
وقتها اعتبر المثقف والأكاديمي الدكتور عبدالله علي إبراهيم بأن مجرد وجوده تحت سقف قاعة الحوار الوطني يعتبر انتقالًا في مساحة “الحوار”، وقال بأن الدعوة أعطته إحساسًا بالأمان، وهو الذي كان يتوقع اعتقاله آنذاك.
(*) فلسفة الحوار…
متغيرات كثيرة طرأت على المشهد السوداني، وربما لو كنا عرضناها على الحاضرين لمؤتمر الحوار الوطني الأول الذي ذكرناه لما اتسع خيالهم لذلك، ومنها على سبيل المثال اتفاقية “نيفاشا”. وصحيح بأنها كانت بين طرفين متباعدين تمامًا في الموقف والرأي، وتحاورت فوهات البنادق لديهما أكثر من منصات التفاوض، إلا أننا لا نستطيع أن نسمي ما حدث، وما تمت تسميته لاحقًا باتفاقية السلام الشامل، بأنه كان نتاج إرادة وطنية خالصة وحوار وطني “سوداني/ سوداني”، بقدر ما أن الإرادة الدولية هي التي رجحت خيار خفض صوت السلاح والاستماع لمقترحات التفاوض المطروحة في ناكورو ومشاكوس.
ظلت “الفكرة” موجودة في “مخزن” أدوات العمل السياسي في السودان إلى جانب أدوات أخرى كانت الأكثر استخدامًا بين أطراف النزاع السوداني، إلى أن عاود رئيس النظام مرة أخرى محاولات إنقاذ نظامه بإطلاق منصة جديدة للحوار الوطني، هذه المرة تحت شعار حوار “الوثبة”.
“الفلسفة” في كل النماذج التي ذكرناها كانت تقوم على تغييب “الأوزان” المعتبرة في المشهد السياسي والمؤثرة فيه، واستدعاء مكونات ليست ذات تأثير حقيقي في المشهد للمشاركة، بقصد إرسال رسائل في بريد الإرادة الدولية التي تدعو للحوار بالاستجابة للمطالب، وفي ذات الوقت عدم التنازل عن أي شيء على أرض الواقع. ووقتها لم يكن “منظرو” الحوار الوطني وحوار “الوثبة” مشغولين بنتائج ومآلات هذه الفلسفة الإقصائية على الآخرين.
فكلما ضاق الخناق على أصحاب الرأي والمختلفين في مواقفهم مع النظام آنذاك، زادت لديهم الرغبة للعمل لإدارة حوار في ضفة أخرى يجمع السودانيين والأطراف غير الموالية للنظام، لينتج عن ذلك الحوار برنامج الحد الأدنى للقوى المعارضة في أكتوبر 1989م، المتمثل في ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي، والذي تم تطويره بمنصة حوار وطني موسعة ضمت الفصيل المدني والعسكري في المعارضة السودانية، وصولًا إلى تطوير مخرجات الحوار بين القوى الوطنية في حدها الأدنى المذكور إلى سقوفات وفلسفة حوار أعلى في مؤتمر أسمرا 1995م، والذي تمت فيه مناقشة ما تمت تسميته بالقضايا المصيرية للسودان. وعبره أيضًا، وعلى الرغم من طرح مجموعة آليات للتغيير، من ضمنها الانتفاضة الشعبية “المحمية والمعززة بالسلاح”، إلا أن “الحل السياسي” أيضًا كان مطروحًا للحل الوطني، ولم تغب “الاستثناءات” والاشتراطات حينها أيضًا عن الرؤية والفلسفة في الحوار الوطني والسياسي، عن نصوص ووثائق مؤتمر العاصمة الإريترية أسمرا، مثل نص “عدم قيام أي حزب سياسي على أساس ديني”. وهنا لا يحتاج الأمر لكبير عناء ليتم تفسيره بأنه نص موجه تحديدًا ناحية الحزب الحاكم وقتها، والحاضنة السياسية لقوى الانقلاب، وبالتالي فإن الاستثناء باستخدام مصطلح “ما عدا” لم يكن الميلاد الأول له الآن مع حرب أبريل.
وفي هذا السياق، فإننا لو جئنا لتفكيك تصريحات القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان الأخيرة، والذي أمّن فيها على ضرورة حوار وطني سوداني يشمل الجميع عدا المؤتمر الوطني ومليشيا الدعم السريع، فإننا سنجد بأنه لا تغيير جوهريًا في فلسفة وفكر “الحوار الوطني”، فالقاعدة فيه هي “الاستثناء”، إضافة إلى استخدام “تعاميم” لا تحمل توصيفًا دقيقًا لأطراف الحوار الوطني السوداني الذي تلوح الحكومة السودانية بالدعوة إليه كحل لأزمة الحرب في السودان.
وهنا أيضًا لا بد من الوقوف قليلًا لإعطاء تعريف متماسك لمسألة “الاستثناء” في عملية الحوار الوطني المذكورة، وهل هو استثناء من المشاركة في الحوار بشكل مطلق، من مناقشات مرحلة “الانتقال الديمقراطي” والحوار فيه، أم أن الاستثناء يقصد به الإبعاد فقط من هياكل وسلطة فترة الانتقال؟
وبقراءة ردود الأفعال على تصريحات رئيس مجلس السيادة الأخيرة، والصادرة من قيادات بارزة ومحسوبة على الحزب المستثنى “المؤتمر الوطني”، نجد بأن هنالك إصرارًا على الرفض المطلق لفكرة “الاستثناء”، سواء كان المقصود بها حوارات بناء فترة الانتقال الديمقراطي أو المشاركة في هياكلها. فالنظام وعناصره يرون عدم التسليم بسقوط النظام تمامًا، والبقاء، ولو مؤقتًا، خارج ملعب السياسة وصناعة القرار في السودان، وأن الحزب الحاكم سابقًا يمتلك من القوة والتأثير ما يجعله طرفًا أصيلًا في أي دعوة حوار وطني يتم إطلاقها، وعبر قياداته مرارًا عن امتعاضهم واستنكارهم للاستثناء الذي يلازم كل دعوة حوار بالقول: “حوار وطني شامل ما عدا المؤتمر الوطني” وواجهاته التنظيمية.
وبما أننا نكتب الآن تحت عنوان “فلسفة الحوار”، يصبح لا بد من التعامل مع الحوار من حيث المفهوم والمهام الوظيفية للحوار الوطني المزمع عقده بين أطراف النزاع السوداني.
الحوار في الأصل هو منصة أو طاولة لإدارة الخلاف بين أطراف النزاع السوداني، وبالتالي تصبح هنالك ضرورة لتوصيف هذه الأطراف ابتداءً قبل الشروع في توصيف كيفية إدارة الخلاف بينها، لينتج عن عملية إدارة هذا الخلاف عملية توافق وطني تفضي لحل وطني شامل، وإيقاف الحرب التي تدور وتضر بالوطن والمواطنين.
لا بد أن يكون مفهومًا لدى الجميع بأن المسائل المتعلقة بالمحاسبة هي اختصاصات أصيلة للقضاء والعدالة الانتقالية.
نقول ذلك لأن دعوات الحوار الوطني التي يتم إطلاقها من حين لآخر، حسب مقتضيات الجو الوطني والدولي والإقليمي، “فضفاضة”، ويتم فيها إصدار الأحكام على أطراف تارة بالعمالة والارتزاق، وأخرى بالرغبة في الانتقام وتصفية الحساب السياسي.
والموقف من “الاستثناء” من الحوار ليس مبدئيًا لدى كوادر المؤتمر الوطني، فالحزب له تاريخ طويل من الإقصاء وتصفية الخصوم السياسيين، وبالتالي فإن مجرد الإحساس بتجرع من ذات الكأس يجعل الفكرة “مفزعة” في ذهن البعض من الرافضين لمنطق ضرورة استغلال الحزب الحاكم سابقًا وكوادره لفترة الانتقال، أيًّا كانت فترته، في الانكفاء فقط حول تقييم تجربة الحكم المنفرد طوال ثلاثة عقود، وقراءة أسباب تفكك قبضته القابضة وسقوطه، بل وسقوط مشروعه السياسي بثورة شعبية في السودان، ليجري عبرهم تعطيل ورفض أي دعوة للحوار الوطني تشمل الاستثناء القائل: “حوار وطني شامل ما عدا المؤتمر الوطني”.
ومع أن تصريح قائد الجيش بهذه الدعوة لم يكن الأول على لسانه، إلا أن الرد عليه من بعض المتشددين في النظام السابق جاء يحمل اللوم على وضع الحزب الحاكم السابق في كفة واحدة مع مليشيا الدعم السريع التي شملها الاستثناء أيضًا، وهي كفة الاستثناء من عملية الحوار الوطني.
ونلاحظ هنا بأن حالة الرفض للاستثناء هذه ليست مطلقة، فالاستثناء “ضرورة”، ولكن يجب أن يوضع في كفته مليشيا الدعم السريع وواجهاتها السياسية، بحسب زعم المؤتمر الوطني، وهم بالضرورة يمثلون هنا الخصوم السياسيين السابقين وكل المشاركين في الثورة التي أسقطت النظام. وهنا يتأكد لنا بأن موقف الحزب الحاكم سابقًا من قضية الحوار الوطني لم يتغير، وظل كما هو، وأن له حنينًا لسياسة الإقصاء ظل يمارسها لسنوات إبان حكمه. وأن هنالك إجابات لا يمكن إنكارها إن سألناه: كم حزبًا حظر وقتها؟ وكم معارضًا اعتقل؟ وكم من دور الأحزاب ودور النشر تم إغلاقها ومصادرتها؟
كم من الدعوات التي أطلقت لمؤتمرات تحضيرية للحوار الوطني رفضها المؤتمر الوطني؟ ولماذا رفضت غالبية القوى السياسية دعوته لحوار “الوثبة”؟
وبالضرورة لن يستطيع الإجابة بأنه لم يكن جزءًا من فرض ثقافة الاستثناء والإقصاء التي يتململ منها الآن، فعندما كان يجلس على مقاعد السلطة، فإن خارطة الحوار الوطني يتم رسمها وفق ضوابط وأحكام المؤتمر الوطني، وبطاقات المشاركة فيه تمنح بشروط موضوعة مسبقًا، بعكس الموقف الآن والداعي لعدم الإقصاء وشمول فكرة الحوار، والقول بأن الحظر والاستثناء يمثل خطرًا على استقرار الوطن، وهو بالضرورة ليس تحولًا مبدئيًا في الموقف من الحوار الوطني، بقدر ما أنه نتاج للتحول في موازين القوى.
بالمقابل، فإن القوى المدنية الداعمة والرافعة لشعار الاستثناء الملازم لدعوات الحوار الوطني يجب أن تتذكر بأنها في يوم ما كانت قد رفعت شعارات “لا تفاوض/ لا شراكة/ لا شرعية”. وهنالك سؤال مهم يجب توجيهه للإجابة عليه، وهو: هل يأتي إصرارها على الاستثناء من الحوار الوطني من باب أن ذلك التزام منها بشعارات الثورة والتغيير، والحفاظ على الرصيد الشعبي الذي حققته برفع هذه الشعارات، وأنها لا تريد العودة لمربع الجلوس والتفاوض مع نظام أسقطته وأعلنت التغيير الكامل، وتتجه إلى مرحلة محاسبته، وليس التفاوض معه لإهدائه مرة أخرى الحياة السياسية؟
تصريحات القيادي الإسلامي بالحزب الحاكم سابقًا حاج ماجد سوار، ردًا على تصريحات رئيس مجلس السيادة بخصوص استثناء حزبه من الحوار المزمع إطلاقه أسوة بالمليشيا، وإن تنصل من نسبته إلى لسان الحزب، وأنه يمثل رؤيته الشخصية، إلا أن ما جاء في تصريحاته يفتقد للمراجعة النقدية لتجربة ثلاثين عامًا من الإقصاء ورفض فكرة توسيع مظلة الحوار الوطني.
إن الأزمة السودانية لم تكن يومًا أزمة غياب الحوار، وإنما أزمة غياب الإرادة السياسية لقبول الآخر. فمنذ الاستقلال ظل كل فريق يدعو إلى الحوار عندما يكون خارج السلطة، ويضع قوائم الاستثناءات عندما يقترب منها. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يبدأ به أي حوار وطني جديد ليس تحديد من يحضر، بل الاتفاق على أن الوطن أكبر من أن يُدار بمنطق المنتصر والمهزوم، وأن العدالة تُمارس عبر المؤسسات، أما الحوار فوظيفته أن يمنع إنتاج حرب جديدة تحت لافتة سياسية مختلفة.



