معركة السردية ودرع الوعي: استراتيجية الردع الإعلامي في السودان .. الحلقة الثانية

الحرب القادمة على السودان: الإعلام سلاح الإسقاط الناعم واختبار الوعي الوطني

بقلم/ د. محمد عوض محمد متولى

​لم تعد المعارك المعاصرة تُحسم في الخنادق الساترة وحدها، ففي القرن الحادي والعشرين تحولت الكلمة إلى مقذوف مباشر، والشائعة إلى مسيّرة انتحارية، والصورة المصنوعة إلى قصف مدفعي موجه. وإذا كانت حرب المليشيا قد استهدفت البنية التحتية وجسد السودان المادي، فإن الحرب القادمة تتجه رأساً لاهداف أكثر استراتيجية: عقل المواطن وهندسة وعيه الكلي. إنها حرب الإعلام الناعمة التي لا تحتاج إلى تحريك أرتال عسكرية لتخطّي الحدود، بل تكتفي بهاتف ذكي، وشبكة إنترنت، وغرف عمليات مجهزة لإنتاج السرديات المضللة. وهنا تبرز الحقيقة السيادية الصارمة: الإعلام لم يعد مجرد منصة لنقل الأحداث أو توثيقها، بل هو أحد ممسكات الأمن القومي الستة الحاكمة، وشريك بنيوي أصيل للجيش والشرطة والاقتصاد والسياسة والمجتمع، فالدولة التي تخوض معارك البقاء بظهر إعلامي مكشوف هي دولة تفرّط في خط دفاعها الأول.

​تتجلى هذه القيمة في البعد التاريخي والمهني الفريد للرسالة الإعلامية؛ فالتاريخ الإنساني والسياسي لا يعرف مفهوماً يسمى “إعلامي سابق”، إذ يمكن للمناصب التنفيذية من رؤساء ووزراء وولاة أن تنتهي بفعل حركة الزمن ودورات السلطة، لكن الصحفي والإعلامي لا يتقاعد مفاهيمياً، لأنه لا يمارس وظيفة ترتبط بساعات دوام، بل يحمل رسالة وشغفاً فكرياً يزداد عمقاً ب تراكم الخبرات. هذا الامتداد هو ما منح الإعلام موقعه المستحق كسلطة رابعة، ليس بوصفه تابعاً للسلطات الثلاث، بل كرقيب واعٍ وشريك أصيل في بناء الدولة. هو عين المواطن على المنظومة التشريعية، ومكبر الصوت الذي يوثق عقيدة الجيش، ولسان الأجهزة الأمنية في تثبيت السلم المجتمعي، والمنبر الذي تُسوق عبره الخطط التنموية والاقتصادية، والضوء الذي تسلطه السلطة القضائية لإعلاء سيادة القانون. ومن يراهن على صدام الإعلام تصرعه الحقائق ولو بعد حين، لأن التدفق المعرفي الشفاف كالسيل الجارف لا توقفه السدود الإدارية.

​لقد تجاوز الإعلام اليوم حدود الشاشة والصحيفة التقليدية ليتحول إلى القوة الأكثر تأثيراً في إدارة الصراعات ومحاربة الفساد؛ وما حدث في قضية “ووترغيت” التي أطاحت برأس النظام التنفيذي في واشنطن، وما كشفته ملفات “إيران – غيت”، أثبت أن القوة الناعمة للصحافة الاستقصائية تمتلك القدرة على زلزلة عروش الزيف وتصحيح انحرافات السلطة. في المقابل، فإن المسؤول التنفيذي الذي يرتاب من العمل الصحفي وينظر إلى الإعلامي كأنه تهديد لمنصبه، إنما يعكس ضيق أفق كفاءته وغياب معايير الحوكمة والشفافية لديه؛ فالإعلام المهني لا يعادي إلا الفساد ولا يهاجم إلا التقصير الإداري، والمسؤول الحصيف الذي يمتلك أداءً ناصعاً يرى في النقد الإعلامي نظارة مكبرة لكشف الاختلالات لا خصماً يتصدى له.

​يدخل السودان اليوم هذه العاصفة بجراح مفتوحة، فبعد أن فشلت استراتيجيات الإسقاط العسكري المباشر، انتقلت معركة الخصوم إلى الفضاء الافتراضي لإدارة حرب نفسية واسعة النطاق. إن الهدف المرصود ليس ضرب محطة كهرباء أو تدمير جسر حيوى، بل تدمير السردية الوطنية وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة. وتدار هذه الحرب عبر ثلاث آليات استراتيجية: الأولى هي تضخيم الفجوات وتصغير الإنجازات، بتحويل الاختلالات الخدمية العادية إلى “دليل على انهيار الدولة”، وتصوير تقدم القوات المسلحة على أنه “انتصارات وهمية”. الثانية هي صناعة الشائعات السريعة واستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، لبث صور ومقاطع مفبركة عن النزوح والانهيار الغذائي. أما الثالثة فهي اغتيال الشخصية واستهداف الرموز العسكرية والمدنية لضرب المرجعية الوطنية وتفكيك الجبهة الداخلية، وهي آليات لا تحركها العشوائية، بل تقف خلفها هندسة وعي مكثفة.

​إن التكلفة الحقيقية لهذه الحرب لا تُقاس بالخسائر المالية، بل بالانهيار البنيوي للجبهة الداخلية؛ فعندما يتسرب الشك إلى المواطن بشأن قدرة دولته، تتراجع معدلات العودة للاستقرار، وعندما يتأثر الوعي الشعبي بالشائعات، يضعف الإسناد المجتمعي لمؤسساته السيادية، وعندما يتسلل اليأس من الإصلاح الاقتصادي، تتزايد معدلات الهجرة والاستنزاف البشري، ل يتحقق هدف الإسقاط الناعم دون الحاجة لإطلاق طلقة واحدة. ومن هنا، فإن المراهنة على تهميش الإعلام أو استعدائه هي خسران استراتيجي صريح، فالعصر هو عصر كسب السردية، والمنتصر فيه هو من يمتلك الحقيقة ويوصلها بأعلى درجات المبادرة والشجاعة.

​إن مواجهة هذه الحرب تتطلب التعامل مع الإعلام كقطاع سيادي وأمني في المزيج الوطني، عبر أربعة محاور عمل فورية: أولاً، الانتقال من الرقابة التقليدية إلى الردع الإعلامي السريع، عبر إنتاج غرف رصد ذكية تفند الشائعات وتفكك الروايات الكاذبة خلال ساعات محددة لا أسابيع. ثانياً، استقطاب وإعادة إدماج العقول والكفاءات الإعلامية الوطنية واستثمار خبراتها الاستراتيجية في معركة الوعي. ثالثاً، صياغة سردية وطنية موحدة تتكامل فيها أدوار التوثيق العسكري، والتوعية الأمنية، والتسويق الاقتصادي لمناخ الاستثمار والإنتاج. ورابعاً، رفع الكفاءة الاتصالية للمسؤول التنفيذي ليتحول من موقف الدفاع والارتباك إلى موقع المبادرة وصناعة الحدث.

​تظل الحقيقة كسطوع الشمس لا يمكن حجبها، لكن بين شروقها ووصولها إلى وعي المواطن توجد غيوم كثيفة من التضليل المصنوع تتطلب أدوات إعلامية احترافية لإزالتها. إن الحرب القادمة على السودان لن تُحسم على الحدود الجغرافية فحسب، بل في عقول أبنائه، ومن يخسر معركة الوعي يخسر الدولة حتى لو حقق الانتصارات الميدانية. الإعلام هو الدرع السيادي الأهم؛ فإما أن نصقله بمقومات القوة والمبادرة، أو نترك الساحة المفتوحة لأعداء الوطن لاستخدامه كسلاح ضد وجوده واستقراره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى