تأكيداً لانفراد العودة.. البرهان وقوى الداخل… حوار شامل يتبعه عفوا وصفحا…!!

​البرهان يطلق مشاورات واسعة لإنهاء الانقسام السياسي

​عفو عام مرتقب لتهيئة مناخ الحوار الوطني الشامل

​الكتلة الديمقراطية تدعم مساعي الحوار بإرادة وطنية

​لجنة تحضيرية مستقلة لقيادة حوار سوداني سوداني

​توافق داخلي على نبذ الإملاءات الخارجية في التسوية

​إسقاط تهم جنائية خطيرة لتعزيز بناء الثقة

​تنسيقية القوى الوطنية تقود حراكا لتخفيف الاحتقان

الخرطوم : رمضان محجوب 

​يستشرف السودان مرحلة مفصلية في تاريخه السياسي المعاصر، حيث بدأت العاصمة الخرطوم في استعادة دورها كمركز لصناعة القرار الوطني بعيداً عن صخب المنابر الخارجية. وفي ظل تعقيدات المشهد وتراكم التحديات، تبرز مساعٍ جادة تقودها رئاسة مجلس السيادة لإطلاق حوار سوداني-سوداني خالص، يرتكز على الإرادة الوطنية ويرفض الحلول المفروضة من الخارج. وتعكس التحركات الأخيرة التي شهدها فندق السلام روتانا، بمشاركة أطياف واسعة من القوى السياسية والإدارات الأهلية، تعكس إدراكاً عميقاً بضرورة تهيئة المناخ عبر إجراءات جريئة، تشمل العفو عن المعارضين، وتأسيس لجنة تحضيرية مستقلة، بما يمهد الطريق نحو توافق وطني حقيقي يستوعب الجميع دون استثناء.

 

​▪ حراك سياسي مكثف بالخرطوم

 

​تشهد العاصمة الخرطوم حراكاً سياسياً غير مسبوق، يتسم بالجدية والسرعة في وتيرة اللقاءات والمشاورات. فقد تحول فندق السلام روتانا إلى خلية نحل، تجمع قيادات الكتلة الديمقراطية والتحالف الوطني مع شخصيات وطنية وازنة وممثلين عن الإدارة الأهلية. ولم يقتصر هذا الحضور المتنوع على المكونات السياسية فحسب، بل امتد ليشمل قامات قانونية رفيعة مثل المحامي نبيل أديب، وشخصيات سياسية ذات ثقل كالتجاني سيسي، مما يضفي صبغة شرعية وموضوعية على هذه المباحثات. فهذا التجمع ليس مجرد اجتماع عابر، بل هو مسعى جاد لكسر حالة الجمود السياسي التي خيمت على البلاد لفترة طويلة، وإعادة بناء الجسور بين مختلف المكونات السودانية التي تتقاطع في الرؤى حول ضرورة الحفاظ على الدولة. القراءات الميدانية توثق بعمق كيف تحولت هذه اللقاءات إلى منصة حقيقية لصياغة مسار جديد يتجاوز أخطاء الماضي، ويؤسس لعملية سياسية لا تستبعد أحداً، مستندة في ذلك إلى زخم شعبي ومجتمعي بدأ يتبلور في ظل الحاجة الماسة للعودة إلى مربع التوافق الوطني.

 

​▪ استكمال لمسار الحوار الداخلي

 

هذه اللقاءات تاتي في سياق استكمال وتطوير لما دار في اجتماع رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع ممثلي الكتلة الديمقراطية. وتبدو الغاية الاستراتيجية هنا واضحة، وهي تهيئة المناخ المناسب لإطلاق حوار سوداني-سوداني داخلي، يتسم بالشفافية والشمول. لقد أثبتت تجارب الماضي أن الحلول المستوردة غالباً ما تواجه تعقيدات تجعل من تطبيقها أمراً مستحيلاً، ولذلك يركز التوجه الحالي على استنباط الحلول من الداخل، عبر إرادة وطنية خالصة. إذا فان هذه العملية ليست مجرد تفاوض تقني، بل هي مراجعة شاملة لأسس الحكم والمشاركة، حيث يسعى البرهان إلى إشراك أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والمدنية والاجتماعية. ويحظى هذا التوجه نحو “سودنة” الحل بدعم القوى الوطنية التي ترى في استقرار البلاد أولوية قصوى تتقدم على أي مكاسب حزبية ضيقة، مع التأكيد على أن الحوار يجب أن يكون بمعزل عن التدخلات الإقليمية والدولية التي قد تفرض أجندات لا تتسق مع طموحات الشعب السوداني الحالية.

 

​▪ إجراءات لتهيئة المناخ السياسي

 

​من أبرز الأسس التي تقوم عليها المشاورات الجارية هي اتخاذ خطوات ملموسة لتهيئة المناخ السياسي، وهي خطوة حيوية لكسر حواجز الخوف وانعدام الثقة. وقد كشفت الشواهد عن توافق على ضرورة وقف الحملات الإعلامية المتبادلة التي أسهمت في تأجيج الاحتقان، بالإضافة إلى تجميد أو إسقاط الاتهامات الجنائية بحق عشرات المعارضين السياسيين. واللافت أن هذه التهم تشمل قضايا تصل عقوبتها إلى الإعدام، مما يعني أن قرار إسقاطها يحمل دلالات سياسية قوية تهدف إلى طمأنة جميع الأطراف. ويهدف هذا التوجه إلى تمهيد الطريق لعودة القيادات السياسية الموجودة في الخارج، خاصة أولئك المحسوبين على التحالف المدني الديمقراطي “صمود”، ليكونوا جزءاً من العملية الوطنية في الداخل. فهذه الإجراءات، وإن بدت قانونية في ظاهرها، إلا أنها تحمل أبعاداً سياسية تهدف إلى تجفيف منابع الصراع وتوفير بيئة آمنة للحوار، مما يعزز من فرص نجاح المؤتمر الوطني المرتقب.

 

 

​▪ لجنة تحضيرية مستقلة ومحايدة

 

​في خطوة لترسيخ الثقة، تم التوافق على تشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر الحوار، تكون مستقلة وتضم شخصيات تحظى بقبول واسع. وستكون هذه اللجنة هي المحرك الأساسي لعملية الحوار، حيث ستتولى مهام تحديد الجهات المشاركة، وصياغة جدول الأعمال، وتحديد التوقيت والمكان المناسبين.ويعكس اختيار شخصيات مستقلة ومن ذوي الخبرة النوعية حرصاً على إبعاد المؤتمر عن التأثيرات المباشرة لمراكز القوى، وضمان أن تكون المخرجات معبرة عن تطلعات السودانيين جميعاً.بجانب ذلك فان اللجنة ستكون مسؤولة أيضاً عن التنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية التي قد ترغب في مراقبة الحوار، لكن مع الاحتفاظ بالقرار النهائي للسودانيين.ويضمن هذا الهيكل التنظيمي سير العملية وفق أسس مؤسسية منظمة، بعيداً عن الارتجالية، ويحول دون هيمنة أي طرف على مجريات الحوار، مما يجعل النتائج المتوقعة مقبولة لدى أغلبية القوى السياسية والمجتمعية التي ستشارك في هذا المؤتمر التاريخي.

 

​▪ موقف البرهان ودعم التنسيقية

 

غي وقت سابق ​أكد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان التزامه الكامل بإنجاح هذا المسار، خاصة بعد استجابته لمقترحات تنسيقية القوى الوطنية التي طالبت بوضوح باتخاذ قرارات شجاعة، مثل شطب البلاغات الجنائية ووقف إجراءات الحق الخاص الموجهة ضد القوى السياسية، وهو ما قوبل بموافقة رسمية من البرهان. وتعد هذه الاستجابة السريعة مؤشراً على رغبة حقيقية في تخفيف الاحتقان وفتح أبواب المشاركة السياسية. وتلعب التنسيقية، بمواقفها الداعمة للمصلحة العامة، دور الوسيط البناء بين مؤسسات الدولة والقوى المعارضة، وتسعى لخلق بيئة سياسية أكثر مرونة. ويؤكد التنسيق بين البرهان والقوى الوطنية أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود، وأن هناك إدراكاً متزايداً بأن المصلحة الوطنية تقتضي تقديم تنازلات متبادلة لتجاوز حالة الاستقطاب الحاد التي أضرت بالبلاد طوال الفترة الماضية، مما يمهد لولادة عقد اجتماعي جديد.

 

​▪ إخفاق الآليات الخارجية المعقدة

 

هذا التحرك الداخلي ​يأتي على خلفية تعثر الآلية الخماسية الدولية في تحقيق أي اختراق ملموس في أزمة السودان. فقد شهدت الفترة الماضية محاولات عديدة قادتها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والإيغاد وجامعة الدول العربية، لكنها باءت جميعها بالفشل نتيجة لمقاطعة قوى سياسية رئيسية لاجتماعاتها. وكان هذا الفشل بمثابة درس بليغ، أظهر أن فرض الحلول من الخارج لا يؤدي إلى استدامة الاستقرار. المقاطعة المتكررة لاجتماعات أديس أبابا كشفت عن وجود فجوة كبيرة بين الأطراف السودانية وبين الرؤية الدولية للحل. اذا فإن هذا الإخفاق الدولي هو الذي دفع بالعديد من القوى الوطنية للعودة إلى خيار الحوار الداخلي، قناعة منهم بأن السودانيين هم الأقدر على فهم تعقيدات بلادهم وتجاوزها. ويعزز هذا الواقع من الموقف الرسمي الذي يشدد على أن الحوار هو شأن سوداني خالص، لا بديل للإرادة الوطنية في تحديد المسارات المستقبلية للدولة.

 

​▪ تحديات ورؤى القوى المدنية

 

​على الرغم من التفاؤل الحذر الذي يحيط بعملية الحوار، إلا أن هناك اعتراضات وتحفظات من بعض القوى المدنية المقاطعة لهذه المشاورات. فهذه القوى تبدي قلقها من محاولات إشراك واجهات محسوبة على النظام السابق في الحوار، وترى أن ذلك قد يؤدي إلى تفريغ أي تسوية سياسية من مضمونها الديمقراطي. وتبدو هذه المخاوف بحسب المعادلات السياسية مشروعة في سياق الصراع السياسي، وتستوجب التعامل معها بحذر وشفافية من قبل اللجنة التحضيرية. حيث يظل التحدي الأكبر يتجسد في كيفية الموازنة بين ضرورة شمولية الحوار وبين الحفاظ على المبادئ الديمقراطية التي نادت بها ثورة ديسمبر. على القائمين على المبادرة إثبات أن الحوار لا يهدف إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى بناء نظام ديمقراطي متين يعترف بالجميع ويحفظ حقوق الجميع. فالحوار الوطني الشامل يتطلب شجاعة أدبية لمواجهة هذه المخاوف ومعالجتها، بدلاً من تجاهلها، لضمان مشاركة الجميع في بناء الدولة السودانية الجديدة.

 

​▪ آفاق المستقبل والرؤية الوطنية

 

​يظل الهدف الأسمى من هذه التحركات هو إكمال مسار الانتقال الديمقراطي وتحقيق استقرار مستدام. وهو ما جعل البرهان يتشدد في تصريحاته على أن الحل يجب أن يكون داخلياً وبإرادة محلية، رافضاً لأي حلول مفروضة. عموما تظل الرؤية المستقبلية قائمة على التأسيس لمرحلة جديدة تتسم بالتوافق الوطني، بعيداً عن لغة الإقصاء والاستقطاب. وهذا هدف وطني مقدم يتطلب استمرار المشاورات وتوسيع قاعدة المشاركين لتشمل لجان المقاومة، والأكاديميين، والمهنيين، ورجال الطرق الصوفية، وكل الفئات المؤثرة في المجتمع. فنجاح هذه العملية لا يتوقف على الاتفاقات السياسية فحسب، بل على القدرة على تحويل هذه الاتفاقات إلى برامج عمل واقعية تلمس هموم المواطن السوداني وتستجيب لتطلعاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى