حمدوك… حين طرقت الشمس باب الحكومة ولم يفتح أحد

هوامش السيادة

بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد 

هناك خطابات لا تستحق أن تُقرأ بوصفها أوراقاً إدارية عابرة، لأنها تحمل في جوفها أسئلة وطن كامل. وهناك خطابات أخرى تكشف، بمجرد أن تُفتح ملفاتها القديمة، أن المشكلة لم تكن دائماً في قلة الموارد، ولا في شح الفرص، ولا في غياب الأفكار… وإنما في أولئك الذين جلسوا في مقاعد السلطة ولم يعرفوا قيمة الفرصة عندما طرقت أبوابهم.

في يدي اليوم خطاب رسمي، يحمل الرقم المرجعي 036/0226، مؤرخاً في 28 سبتمبر 2020، وموجهاً إلى الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني آنذاك. الخطاب لم يكن شكوى مواطن، ولا طلب وظيفة، ولا استجداء منصب. كان تعبيراً رسمياً عن الاهتمام بإنشاء محطة طاقة شمسية كهروضوئية بقدرة 5000 ميغاواط، بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع رغبة في العمل في توزيع وبيع الطاقة الكهربائية، والمساهمة في تنشيط النمو المستدام للسودان وتحويله إلى مركز للطاقة في أفريقيا.

 

خمسة آلاف ميغاواط!

 

دعونا نضع الرقم جانباً للحظة، ونقرأ المعنى. السودان الذي كان يعاني أزمة كهرباء، ويبحث عن استقرار الشبكة، ويعرف أن انقطاع التيار ليس مجرد عتمة في غرفة، بل تعطيل لمصنع، ومستشفى، ومدرسة، ومزرعة، ومضخة مياه، ومحل تجاري، وحياة كاملة… كانت الشمس نفسها تقف فوق سمائه، وفي الجهة الأخرى كان هناك من يقول للحكومة: نريد أن نستثمر في شمس السودان. ولم يكن الكلام خارج سياق المرحلة.

قبل الخطاب بأيام قليلة، كانت الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يتحدثان صراحة عن الطاقة المتجددة باعتبارها مفتاحاً للتنمية في السودان، وعن ضرورة الانتقال من المشروعات الصغيرة والتجريبية إلى التوسع الكبير، والعمل مع القطاع الخاص والشركاء الدوليين.

بل إن دراسة علمية منشورة في سبتمبر 2020 كانت تقول بوضوح إن السودان يمتلك إمكانات شمسية هائلة، وحددت مناطق سودانية ذات جدوى مرتفعة للطاقة الشمسية، وأشارت إلى أن ضعف الاستثمار في الطاقة المتجددة كان من العوائق أمام استغلال هذه الإمكانات.

أي أن المشكلة لم تكن في غياب الشمس، ولا في غياب الدراسات، ولا في غياب الحاجة، ولا حتى في غياب الحديث الرسمي عن الطاقة النظيفة. كانت الشمس موجودة. وكانت الحاجة موجودة. وكان المستثمر يطرق الباب. وكانت الحكومة تتحدث عن التنمية. فماذا كان ينقص؟ ربما كان ينقص فقط أن يفتح أحدٌ الباب!

خطاب رسمي… وصمت رسمي

الخطاب الذي أمامنا يقول بوضوح إن صاحبه يريد الدخول إلى السودان من بوابة الاستثمار والطاقة، لا من بوابة المناصب والكلام السياسي.

مشروع بهذا الحجم كان يمكن أن يفتح نقاشاً وطنياً حول مستقبل الكهرباء.

كان يمكن أن يُحال إلى وزارة الطاقة.

إلى وزارة المالية. إلى الجهات المختصة بالاستثمار. إلى مجلس الوزراء. إلى أي لجنة فنية. كان يمكن حتى أن تأتي الإجابة بالرفض، إذا كان المشروع غير مستوفٍ للشروط. كان يمكن أن يقال: المشروع يحتاج إلى دراسة جدوى.

كان يمكن أن يقال: نحتاج إلى تعديل السعة. كان يمكن أن يقال: الشبكة لا تحتمل. كان يمكن أن يقال: التمويل غير متاح. كان يمكن أن يقال أي شيء!

لكن أسوأ ما يمكن أن يحدث لخطاب استثماري هو أن يتحول إلى ورقة يتيمة في درج مكتب.

وبحسب صاحب الخطاب، لم يصل حتى رد. وهنا يصبح السؤال أكبر من حمدوك نفسه. ما قيمة الدولة التي لا تستطيع أن تقول نعم أو لا لمشروع استثماري؟

ما قيمة حكومة تتحدث عن جذب الاستثمار، ثم لا تكلف نفسها حتى عناء الرد على المستثمر؟ ما معنى أن ترفع السلطة شعار التنمية، بينما مشاريع التنمية تبحث عن موظف يقرأ خطابها؟

المصيبة ليست أن المشروع لم يُنفذ.

المصيبة أن المشروع ــ وفق الرواية التي أمامنا ــ لم يجد حتى رداً رسمياً.

وهذه ليست مشكلة كهرباء. هذه مشكلة عقل دولة. يا دكتور حمدوك… هل كانت الشمس أقل أهمية من السياسة؟

دكتور حمدوك، أنت الذي جئت إلى رئاسة الحكومة محمولاً على خطاب الخبرة الاقتصادية، كان يفترض أن تعرف أن الدول لا تبنى بالخطب وحدها.

الدول تبنى بالكهرباء. بالطرق. بالموانئ. بالزراعة. بالصناعة. بالاستثمار. بالمشروعات التي تنتج قيمة مضافة وتخلق وظائف وتفتح أبواباً جديدة للاقتصاد.

والطاقة تحديداً ليست ترفاً.

هي العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية.

ولذلك فإن السؤال الذي يخرج اليوم من بين أوراق الماضي ليس سؤالاً شخصياً: أين ذهبت تلك المحطة؟

بل السؤال الأشد قسوة:

ماذا فعلت حكومتكم بكل فرصة كانت تستطيع أن تنقل السودان خطوة واحدة إلى الأمام؟

لا نطلب منك اليوم أن تبرر مشروعاً لم تره مناسباً. ولا نطلب أن تقول إن 5000 ميغاواط كان رقماً مثالياً.

ولا نطلب أن تثبت أن المستثمر كان قادراً فعلاً على تنفيذ المشروع.

كل هذه مسائل فنية يمكن أن تناقشها المؤسسات.

لكننا نريد شيئاً أبسط من ذلك بكثير:

أين كان الرد؟ خمسة آلاف ميغاواط… أم خمسة آلاف فرصة ضائعة؟

قد يجيء من يقول إن المشروع كان كبيراً.

نعم، كان كبيراً.

لكن السودان نفسه كان يحتاج إلى أحلام كبيرة.

والبلد الذي يملك واحداً من أعلى إمكانات الإشعاع الشمسي في القارة لا يجوز أن يتعامل مع الشمس وكأنها مجرد طقس حار يرهق الناس.

العالم كان يتحول نحو الطاقة المتجددة.

والسودان كان يملك الأرض والشمس والحاجة والأسواق.

وفي سبتمبر 2020 تحديداً، كان تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يضع خريطة طريق وطنية للطاقة المتجددة، ويؤكد أن الطاقة المتجددة يمكن أن تسهم في مكافحة الفقر والتنمية الزراعية وتحسين الصحة وتوسيع الوصول إلى الكهرباء.

فإذا جاءت بعد ذلك بأيام رسالة تقول:

نحن نريد الاستثمار في محطة شمسية ضخمة في السودان.

فما الذي كان مطلوباً من الحكومة؟

كان المطلوب أن تتحرك.

أن تسأل. أن تحقق. أن تفاوض.

أن تدرس. أن ترفض بأسباب. أن تقبل بشروط.. أن تقول للمستثمر: تعال إلى السودان. أما أن يظل الخطاب بلا جواب، فهذه ليست بيروقراطية فحسب.

هذه إهانة لفكرة الدولة نفسها.

الدكتور م/ ع… في ألمانيا يعرف التفاصيل.. ولأن الموضوع ليس حكاية تُروى في مجالس المدينة، فإن أبن خالي المؤقر الدكتور م/ ع الموجود في ألمانيا، ما أفاد به ، يعلم تفاصيل الملف بدقة.

وهنا تظهر أهمية الوثيقة.

فالوثيقة لا تصرخ.

لا تشتم.. لا ترفع صوتها.. هي فقط تجلس على الطاولة وتقول: هذا هو الخطاب.. وهذا هو التاريخ.. وهذا هو الرقم المرجعي. وهذه هي الفكرة.

ثم تترك للسجل العام أن يسأل: ماذا حدث بعد ذلك؟ وهذه واحدة من أكثر الأسئلة إزعاجاً لأي مسؤول سابق.

لأن السياسة تستطيع أن تتلاعب بالذاكرة، لكن الأوراق لا تنسى.

قد ينسى الناس ما قيل في المنابر.

قد تتغير الشعارات.. قد تتبدل التحالفات. قد يصبح الأمس صديقاً واليوم خصماً.

لكن الخطاب المؤرخ يبقى خطاباً.

والتاريخ لا يحتاج إلى ميكروفون حتى يتحدث.

يكفيه أن يخرج من الدرج.

نحن لا نريد دولة تتقن الاعتذار عن الفرص

السودان لا تنقصه العقول. ولا تنقصه الأرض. ولا تنقصه الشمس. ولا تنقصه المياه وحدها. ولا تنقصه الموارد.

السودان تنقصه في أحيان كثيرة إدارة الفرصة.

كل حكومة تأتي تقول إن البلاد تحتاج إلى الاستثمار.

ثم يأتي المستثمر، فتبدأ المتاهة.

وزارة تحيل إلى وزارة. ومكتب يحيل إلى مكتب. وموظف يطلب خطاباً آخر. ولجنة تنتظر لجنة. ثم تموت الفكرة من كثرة الأختام.

هذه ليست دولة جاذبة للاستثمار.

هذه دولة تجعل المستثمر يحتاج إلى استثمار إضافي حتى يعرف من المسؤول عن استثماره!

ولذلك فإن قضية الخطاب الموجه إلى حمدوك ليست مجرد قصة محطة شمسية.

إنها نموذج مصغر لسؤال أكبر:

كيف نريد أن نبني السودان إذا كانت الدولة لا تعرف كيف تستقبل من يريد أن يبنيه؟

حمدوك… مسؤولية مرحلة لا مجرد اسم

نحن لا نحاكم الرجل على كل أزمات السودان، فهذا ظلم للتاريخ قبل أن يكون ظلماً للرجل.

لكن من جلس في موقع رئيس الوزراء لا يستطيع أن يطلب من التاريخ أن يعامله كمتفرج.

الموقع مسؤولية. والقرار مسؤولية. والصمت في بعض المواقع قرار أيضاً.

ولذلك فإننا حين نضع خطاباً كهذا أمام الرأي العام، لا نفعل ذلك بحثاً عن تصفية حساب.

نحن نبحث عن حقيقة.

لأن السودان الذي يدفع ثمن الكهرباء الغائبة، والوقود الغالي، والمصانع المتوقفة، والمزارع العطشى، لا يملك ترف أن ينسى فرصه الضائعة.

السؤال ليس: هل كان حمدوك سيئاً في كل شيء؟

هذه لغة الدعاية.

السؤال الأكثر نضجاً: هل استثمرت حكومته الفرص المتاحة أمامها بالسرعة والكفاءة التي كان السودان يحتاجها؟

وفي ملف الطاقة تحديداً، هناك ما يستحق أن يُسأل عنه.

ففي ذلك الوقت كانت الجهات الدولية نفسها تضع الطاقة المتجددة في قلب أجندة التنمية السودانية، وكانت هناك دعوة واضحة إلى توسيعها والعمل مع القطاع الخاص.

فلماذا لم يتحول هذا الحراك إلى نهضة كهربائية بحجم طموحات السودان؟

من يطفئ الشمس؟

يا دكتور حمدوك…

السودان لم يكن يطلب منك أن تصنع الشمس.

كانت الشمس قد تكفلت بذلك منذ ملايين السنين.

كان المطلوب فقط أن تجعل الدولة تعرف كيف تستفيد منها.

خمسة آلاف ميغاواط ليست رقماً صغيراً.

هي مشروع كان يستحق أن يُدرس بكل جدية، حتى لو انتهت الدراسة إلى أن الرقم يحتاج إلى تعديل أو أن التنفيذ يجب أن يكون على مراحل.

لكن أن يظل خطاب استثماري بهذا الحجم بلا رد، بحسب ما يورده صاحب الخطاب، فهذه قصة تستحق أن تُفتح لا لتشويه رجل، وإنما لتعرية ثقافة كاملة من اللامبالاة الإدارية.. فالسودان لا يسقط فقط عندما يحمل السلاح من يحمل السلاح.

السودان يتعثر أيضاً عندما يأتيه من يحمل مشروعاً، فيجد الباب مغلقاً.

ولا تنهار الدول فقط عندما تنقطع الكهرباء.

قد تبدأ الكارثة قبل ذلك بكثير…

عندما تنقطع الصلة بين الدولة والفرصة.

وحين يصبح المستثمر في الخارج أكثر اهتماماً بمستقبل السودان من بعض الجالسين داخل مكاتب السلطة، فهنا لا تكون المشكلة في المستثمر.

المشكلة في المكتب.

وللتاريخ كلمة أخيرة

قد يأتي يوم يُقال فيه إن ذلك المشروع كان أكبر من قدرة السودان في ذلك الوقت.

وقد يأتي يوم يقول فيه آخرون إن الظروف السياسية والاقتصادية لم تكن تسمح.

وقد تكون هناك أسباب فنية أو تمويلية أو قانونية لم نعرفها.. وكل ذلك يمكن مناقشته.. لكن لا أحد يستطيع أن يناقش قيمة الرد.. فالرد لا يحتاج إلى خمسة آلاف ميغاواط.

ولا يحتاج إلى مليارات الدولارات.

ولا يحتاج إلى شبكة كهرباء.

يحتاج فقط إلى دولة تحترم من يخاطبها.

ولهذا فإن الوثيقة التي بين أيدينا تضع سؤالاً بسيطاً، لكنه ثقيل كالرصاص:

هل ردت حكومة حمدوك على هذا الخطاب؟ إن كان نعم، فأين الرد؟ وإن كان لا، فلماذا؟ ومن المسؤول عن تعطيل الرد؟ وهل كان الملف قد أحيل إلى وزارة الطاقة أو الاستثمار؟ وما الذي قالته الجهات الفنية؟ وهل كانت هناك دراسة أولية؟ وهل فُتح باب التفاوض؟ وإذا لم يُفتح، فمن أغلقه؟ هذه ليست أسئلة صحفي يبحث عن عنوان.

 

هذه أسئلة وطن يبحث عن ذاكرته.

 

لأن الأمم التي لا تحاسب نفسها على الفرص الضائعة، تعيد إنتاج الضياع بأسماء جديدة.

 

والسودان اليوم لا يحتاج إلى حكومات تجيد الكلام عن المستقبل.

 

يحتاج إلى حكومات تفتح الأبواب عندما يأتي المستقبل في خطاب رسمي.

 

أما الشمس.. فما زالت فوق السودان.

 

تشرق كل صباح بلا تأشيرة، ولا حزب، ولا قبيلة، ولا محاصصة، ولا مؤتمر صحفي.

 

لكن يبدو أن مشكلتنا لم تكن يوماً في أن الشمس لم تكن موجودة.

 

مشكلتنا أن بعض الذين جلسوا في مقاعد القرار لم يعرفوا ماذا يفعلون بالنور عندما جاءهم.

 

هوامش السيادة

 

والسيادة ليست أن ترفع الدولة رايتها فوق المباني فقط؛

السيادة أن تمتلك كهرباءها، وغذاءها، وقرارها، واقتصادها، وأن تعرف قيمة كل يد تمتد إليها بمشروع لا بصفقة.

 

أما الوطن الذي تُطرق أبوابه بمشروعات التنمية فلا يرد عليها، ثم يبكي لاحقاً على ظلامه، فذلك وطن لا تنقصه الشمس… تنقصه الإرادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى