“كهرباء السودان.. من الاستقرار النسبي إلى الانهيار الممنهج”

مفتاح العبور من أزمة الطاقة يبدأ بإقالة الفاشلين
بقلم/ د. عبد العزيز الزبير باشا
مقدمة: أزمة إدارة لا أزمة حرب فقط
تعلّمنا من إدارة الدول للأزمات أن الحرب تدمر البنية، لكن الفشل الإداري يقتل الأمل.
اليوم يدفع المواطن السوداني ثمن “حكومة الألم” التي استلمت قطاع كهرباء “مريضاً لكن مستقراً نسبياً” وحولته إلى “قطاع منهار ومخزٍ”.
الوزير المعتصم إبراهيم ليس ضحية حرب فقط. هو جزء أصيل من فشل منظومة اختارت إدارة الأزمة بالتصريحات بدل الحلول.
أولاً: بالأرقام.. كيف تحول “الاستقرار النسبي” إلى انهيار؟
قبل الحرب في 2022 كان الإنتاج الفعلي للكهرباء يتراوح بين 1800 إلى 1900 ميغاواط، والعجز الكلي لا يتجاوز 1000 ميغاواط أي ما يعادل ثلث الاستهلاك تقريباً. وكانت فاعلية الإنتاج تصل إلى 45% من الطاقة التصميمية للشبكة.
اليوم في عهد الوزير المعتصم 2026 انهار الإنتاج إلى 1200 – 1500 ميغاواط فقط. وفي المقابل قفز العجز إلى 3300 ميغاواط بزيادة تتجاوز 230%. أما فاعلية الإنتاج فقد تراجعت إلى 30% – 37% فقط.
الخسائر لم تعد إهمال وصيانة مؤجلة. اليوم نتحدث عن 9 مليار دولار دمار ممنهج في البنية التحتية.
الخلاصة واضحة: حكومة استلمت عجز 1000 ميغاواط فسلمتنا عجز 3300 ميغاواط. هذا ليس قدراً.. هذا فشل إداري موثق بالأرقام.
ثانياً: ستة أوجه لفشل الوزير المعتصم وتصريحاته
1. فجوة الوعود الكاذبة
في مايو 2026 أعلن: “استقرار ملحوظ في إمدادات الوقود وتحسن كبير في قطاع الكهرباء”.
الواقع: قطوعات 8-12 ساعة يومياً والوزارة نفسها تعتذر رسمياً عن “برمجة القطوعات”.
النتيجة: فقدان ثقة كامل بين المواطن والدولة.
2. الاعتراف بالعجز كسياسة
“عودة الخدمة تحتاج وقت وتدرج” و “التوقعات الشعبية عالية والواقع صعب”.
هذه ليست شفافية.. هذا تبرير للفشل. لا جدول زمني، لا خطة إنقاذ، لا أرقام إنتاج مستهدفة. إدارة بالأعذار.
3. فشل ذريع في معالجة العجز
الوعد: “إضافة 260 ميغاواط والوصول لـ 600 ميغاواط”.
الواقع: العجز 3300 ميغاواط. أي أن كل ما أنجزه لا يغطي 18% من المشكلة.
هذا أشبه بمن يحاول إطفاء حريق بماء كأس.
4. تخبط التوليد الحراري وهشاشة الشبكة
اعترف بأزمة الوقود وغلاءه عالمياً ولم يقدم بديلاً عاجلاً.
دفع “مقدمات بالعملة الصعبة للمحولات” ولم يظهر أثرها على الأرض.
النتيجة: اعتماد كلي على التوليد المائي. أي عطل في سد مروي = “بلاك أوت” كامل للبلاد.
5. معاقبة الضحية بدل حمايتها
بدل توفير بديل للمواطن وقت الحرب، لجأت الوزارة لفرض غرامات غير مبررة تحت غطاء الإصلاح الزائف.
هذه ليست حكومة.. هذه جباية على الألم.
6. خطاب “المعركة الوطنية” بلا معركة
“9 مليار دولار لإعادة الإعمار” و “تفاهمات مع بيلاروسيا” و “طاقة شمسية”.
كلها عناوين بلا تمويل، بلا توقيع، بلا مشروع واحد دخل الخدمة. كلام استهلاك إعلامي.
ثالثاً: ماذا يعني “الاستقرار النسبي” في قاموس الفشل؟
الوزير يستخدم المصطلح لتجميل الواقع. علمياً وخدمياً يعني:
1. على المستوى الفني: انخفاض فاعلية الإنتاج من 45% إلى 30 %. أي تدهور لا تحسن.
2. على مستوى الخدمات الرئيسة: المستشفيات تفقد مرضى، محطات المياه تتوقف، المخابز ترفع السعر، المصانع تقفل. لا استثناء ولا أولوية.
3. على مستوى المواطن: الانتقال من انقطاع مفاجئ إلى “برمجة إذلال” 12 ساعة.
“الاستقرار النسبي” هو اسم آخر للانهيار البطيء.
الخاتمة: إقالة فورية ومحاسبة
السودان لا يحتمل ترف الفشل. قطاع الكهرباء هو شريان الحياة والاقتصاد والخدمات.
المعالجات بـ:
1. إقالة وزير الطاقة والنفط المعتصم إبراهيم لتحمله المسؤولية السياسية عن تدهور المؤشرات رغم مرور أكثر من عام على تسلمه.
2. حل “حكومة الألم” وتشكيل حكومة مهام وطنية رشيقة من كفاءات متخصصة تدير ملف الطاقة كحالة طوارئ قومية.
3. إعلان حالة طوارئ القصوى للكهرباء بخطة 100 يوم: صيانة عاجلة، وقود مضمون، استثناء كامل للمستشفيات والمياه، ووقف جباية الغرامات.
الحرب دمرت، لكن من واجب الدولة أن تبني. ومن فشل في البناء وقت الأزمة لا مكان له في قيادة الدولة.
الوطن لا يبنى بالتصريحات.. يبنى بالقرار والمسؤولية.
أقيلوا الفاشلين قبل أن يطفئوا آخر بصيص أمل.
خذ الكتاب بقوة يا ريس.



