مسعد بولس.. السودان في وضع “الطيران”

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

من المفترض أن يكون مجلس الأمن في الأمم المتحدة قد عقد اجتماعه رقم 10211 والخاص بدولتي السودان وجنوب السودان، وهي الجلسة المعلنة مسبقًا والمحددة بتاريخ الاثنين 24 أغسطس الجاري، إلا أن الضجة التي سبقت هذه الجلسة وإرهاصات تقديم مقترح من قبل السيد/ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، بحظر الطيران الحربي في السودان تحتاج منا لقراءة أجندة الاجتماع وتحركات المستشار الأمريكي في هذا الملف.

ربما تُقرأ الإشارة التي جاء عليها السيد/ عبد الفتاح البرهان في خطابه الجماهيري الأخير بأنه يتوقع “عقوبات” في الفترة القليلة القادمة، استباقًا لما سيحدث في اجتماع مجلس الأمن، كذلك حالة الترحيب التي انتظمت صفحات منسوبي “تأسيس” احتفالًا بقرارات لم تصدر بعد، ذكروا بأنها ستقضي بحظر الطيران بقرار من مجلس الأمن، مع أن المؤكد هو ألا مشروع أمريكي جاهز للتصويت اليوم، وربما سيكون في أجندة المجلس شهر سبتمبر.

الطريقة في نيويورك وفي جلسات مجلس الأمن لإصدار القرارات تتبع تسلسلًا معروفًا يبدأ من نقطة طلب “الجلسة الخاصة” وطرح المشروع في المناقشات والمشاورات لإعداد مشروع قرار، ومن ثم “التصويت” لإصدار قرار ملزم، وعليه فإن المؤكد حتى الآن على مستوى التسلسل أعلاه هو وجود دعوة لاجتماع بالرقم 10211 يوم الاثنين 24 أغسطس باسم السودان وجنوب السودان.

وبهذا الشكل فإن فرضيات أجندة الاجتماع تتحمل أن يدخل مسعد بولس يحمل مقترحًا بحظر الطيران في السودان، وهو لا ينتظر صدور القرار والتصويت عليه في الجلسة نفسها، ولكن مقترحه يصلح لأن يكون “أنبوب اختبار” للمجلس والدول الكبرى فيه، حال تم تقديمه وفق التسلسل المذكور للتصويت، وإلى أي مدى سيوجه قوة حق النقض “الفيتو”.

(*) المقترح الأمريكي..

المقترح يمضي في مسارين.. المسار الأول للمقترح الأمريكي يقضي بحظر الطيران في المناطق التي يسيطر عليها الجيش والمناطق التي تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع.

والمسار الثاني يذهب باتجاه حظر توريد السلاح بشكل مطلق بالنسبة لطرفي النزاع، وفي نطاق أوسع من إقليم دارفور.

وربما اتجه المستشار الأمريكي مسعد بولس في مقترحه إلى مسار ثالث يجمع بين المسارين الأول والثاني، ومن الواضح هنا أيضًا، وغير الخلط بين جلسات تقديم المقترح ومن ثم التصويت عليه في مجلس الأمن، أن هنالك خلطًا لدى المتلقين للخبر بين مفهومي “حظر الطيران” و”الحظر الجوي”، فبحسب تجارب سابقة وقرارات، فإن المقصود بحظر الطيران هو منع استخدام الطيران العسكري لدى الجيش السوداني والمليشيا، بما في ذلك الطيران “المسير”، بينما يعني الحظر الجوي No Fly Zone، فقد يحتاج إلى جهة دولية قادرة على مراقبة المجال الجوي واعتراض الطائرات المخالفة، وهو شيء مختلف تمامًا من الناحية العسكرية والتوصيف القانوني، وبالمقترح الذي سيقدمه المستشار مسعد بولس: هل تريد واشنطن منع طائرات الجيش السوداني من التحليق؟ وهل ستوفر القوة اللازمة للمراقبة والمنع؟

أيضًا يمكننا قراءة المقترح الأمريكي من زاوية النطاق الذي يغطيه القرار، مع العلم أن مجلس الأمن لديه أصلًا نظام عقوبات خاص بالسودان، والحظر القائم على الأسلحة ينطبق في نطاق دارفور فقط وفق النظام الحالي. كما أن القرار 1591 وسّع حظر السلاح ليشمل أطرافًا متحاربة في دارفور، وهناك أيضًا قيود على العمليات العسكرية الجوية الهجومية للحكومة في دارفور، وحال تم توسيع نطاق القرار ليشمل كل السودان، فإن هذا يعني انتقال نظام العقوبات من تغطية نطاق “أزمة دارفور” إلى “حرب السودان”.

وفي حال حدوث ذلك، فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية، عن طريق مستشارها، تمضي باتجاه إنتاج تعريفات جديدة للحرب لا تتوافق ورؤية الحكومة السودانية التي ترى بأنها مواجهة بين جيش رسمي للدولة وقوة تمردت عليه، إلى تعريفها بأنها نزاع عسكري ينبغي تقييد أدواته العسكرية بالتساوي.

كما أنه لا يمكن فصل المقترح الأمريكي عن السياق الحالي للحرب، والذي يقول بتقدم كبير يحققه الجيش السوداني على الأرض على المليشيا، الشيء الذي يدفع بمظان السوء في المقترح، باعتبار أنه حمل في باطنه تدارك أحوال المليشيا الميدانية، باعتبار أن مقترح حظر الطيران يشمل الطرفين بالتساوي من حيث النص، بينما تتضرر منه عمليًا القوات المسلحة السودانية، حيث لا تملك المليشيا إلا الطيران المسير، وبالتالي فإن القرار، حال تنفيذه، لن يكون عادلًا؛ لأن الحظر إذا منع الجيش من استخدام سلاحه الجوي، والذي يحدث الفارق على مستوى المواجهات العسكرية، بينما لا يؤدي بالضرورة إلى تعطيل كل مصادر القوة المقابلة لدى المليشيا، وبالتالي يتحول القرار من أداة لحماية المدنيين، كما يدعي مقدم المقترح، إلى أداة لإعادة توزيع القوة على الأرض من جديد، ويصبح السؤال عن الأهداف المقصودة من تقديم المقترح من المستشار الأمريكي مشروعًا: هل المقصود منه هو وقف القصف أم وقف قدرة الجيش على التقدم؟

وبالضرورة، فإن المنطق يدعم فرضية تفكير مقدم المقترح ليس محكومًا بوقف القصف على المدنيين، وإلا لما توقف المقترح عند حظر الطيران ليشمل وقف القصف المدفعي على المناطق المدنية والمدنيين، وتوصيف وقف المسيرات ومنع الحصار والتجويع، كما حدث في الفاشر ويحدث الآن في الأبيض، إضافة إلى أن حظر الطيران في حد ذاته لا يوقف الحرب، بل يغير شكلها ونمطها.

وإذا اعتمدنا بأنه حال صدور قرار بحظر الطيران فإنه سيحدث تغييرًا في موازين القوة العسكرية على الأرض، فإن هنالك آثارًا سياسية ستترتب عن صدور القرار، ولا ندري إن كان مسعد بولس يتخيل بأن دخول مقترحه هذا تحت قبة مجلس الأمن وإجازته يمكن أن يدفع الجيش والمليشيا ناحية الحل التفاوضي والسياسي.

واحد من الفرضيات التي يبني مسعد بولس مقترحه بحظر الطيران عليها، أن نتائج مثل هذا القرار هو أن يتحول تقييد القوة الجوية إلى ضغط على الطرفين لقبول وقف إطلاق النار، وهو المطروح في كل المبادرات الرباعية والخماسية كنقطة انطلاق لحل الأزمة السودانية.

أما الأقرب للواقع، فهو أن يؤدي تنفيذ القرار إلى تجميد خطوط التماس وتحويل مناطق السيطرة الحالية إلى أمر واقع وجغرافيا تشابه الأحوال القائمة الآن في النموذج الليبي، بإيجاد مناطق نفوذ متوازية.

المسافة بين تقديم المقترح وتنفيذه أيضًا تعتبر مسافة ليست بالقريبة؛ لأن مقدم المقترح يحتاج الإجابة عن أسئلة فنية تتعلق بالقرار، مثل: من سيراقب الأجواء السودانية؟ ومن لديه القدرة على التمييز بين المسيرات التابعة للجيش وتلك التي تمتلكها المليشيا؟

بخصوص صدور مثل هذه القرارات، يعتقد البعض من الذين علقوا على أخبار المقترح، مؤيدين لصدوره باعتباره مشروعًا سيخضع للتصويت والنفاذ مباشرة، ومعترضين يعولون على عدم قبوله، هنالك تحديات تواجه القرار، أهمها أن الجهة صاحبة المقترح تحتاج أولًا لإقناع 9 أصوات مؤيدة للقرار داخل المجلس، ابتداءً، قبل التفكير في خوض معركة “الفيتو” المحتملة، وبالضرورة أن ذلك يتوقف على تفسير دول مثل روسيا والصين لهذا المقترح: هل هو فعلًا لحماية المدنيين أم هو تدخل مباشر لتغيير موازين القوة؟

الباعث للاستغراب في تقديم مشروع كهذا من المستشار الأمريكي هو أن الولايات المتحدة هي على رأس مبادرة دبلوماسية لحل أزمة الحرب السودانية، فما الداعي لاستخدام أداة كمجلس الأمن لفرض حظر الطيران؟

المرجح هنا أن المقترح المقدم من مسعد بولس ما هو إلا إعلان لبداية مواجهة دبلوماسية جديدة بين فكرتي حظر الطيران وحظر السلاح، وليس استصدارًا لأي قرار في جلسة مجلس الأمن المعلنة.

الحرب في السودان الآن.

إن كان المستشار مسعد بولس يبحث عن النجاح في مهمته التي كلف بها من قبل الرئيس دونالد ترمب، فعليه أن يعلم بأن الحرب في السودان محتاجة إلى فتح مسارات سياسية جديدة على الأرض أكثر من إغلاق السماء؛ فطالما أن السلاح يتدفق والتدخل الخارجي والإسناد واستخدام الحدود متوفر، فلن تتوقف الحرب، ولن يجدي معها حظر الطيران.

حظر الطيران قد يكون أداة لحماية المدنيين في مخيلة مسعد بولس، لكنه يصبح خطيرًا إذا تحول إلى أداة لإعادة توزيع القوة العسكرية دون أن يصاحبه وقف شامل لإمدادات السلاح، وآلية رقابة وتنفيذ، وضمانات سياسية تمنع تحويل تجميد الجبهات إلى تقسيم فعلي للسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى