محمد النظيف يكتب : عدا المؤتمر الوطني

تحت المجهر ..
تظل الأزمة السودانية في جوهرها أزمة عقل سياسي ظل يكرر أخطاء التاريخ بجمود غريب ، ويظن أن التجريف السياسي ومصادرة أفكار الآخرين بقوة السلطة يمكن أن يصنعا استقراراً أو يبنيا دولة ، إن ابعاد المؤتمر الوطني أو التوهم بإمكانية محوه من الخارطة الوطنية عبر أدوات الإقصاء وقرارات الفوقية ليس إلا امتداداً لنهج عاجز أثبتت التجربة الممتدة عقوداً طويلة أنه لا يورث البلاد إلا المزيد من الشقاق والتمزق وحتي المؤتمر الوطني عندما كان حاكماً حالو اقصاء بعض خصومة الان ان معادلات السياسة اعادتهم حاكمين ان كان عبر شرعية البندقيه او مفاوضات السلام والشهواد علي ذلك كثيره وكان برلمان ٢٠٠٥ خيرا شاهدا علي ذلك وان كان هذا هو واقع الحال حسب التجربة وهي خير برهان فلماذا نكرر الاخطاء ؟!
وفي ظل الدعوة لحوار وطني تحدث عنه رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان لغيمكن أن يستقيم أو يحقق غايته ما لم يكن شاملاً لكل القوى والجماعات دون استثناء ، شريطة أن تُترك المحاسبة للقضاء العادل ليفصل في أفعال الأفراد ومن أُدين منهم في جرائم تمس الشرف والأمانة مهما كانت توجهاته السياسية ، أما الأفكار والكيانات السياسية فإن معيار بقائها أو زوالها يكمن في صناديق الاقتراع وإرادة الشعوب لا استخدام سلطة الامر الواقع .
إن الاستقراء الدقيق للتاريخ السياسي السوداني يؤكد أن استخدام سلطة الدولة لجرف الأحزاب ومحاصرتها ظل خياراً فاشلاً لم يزد تلك الأحزاب إلا صلابة وحضوراً عند أول انفراج ، وحين أقدمت الجمعية التأسيسية عام ألف وتسعمائة وخمسة وستين على حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه لم يغب الحزب عن المشهد بل ظل ينشط في الخفاء والعلن حتى عاد فاعلاً ، وحين حظر نظام مايو عقب انقلاب تسعة وستين الأحزاب التاريخية وعلى رأسها حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي وسعى لتصفيتها عاد كلاهما بموجب المصالحة الوطنية وتصدرا المشهد الديمقراطي عقب انتفاضة إبريل ، إن هذه الشواهد الثلاثة تؤكد أن التجريف القسري لا يقتل الكيانات السياسية بل يؤجل المواجهة ويضاعف كلفة الاستقرار ،
ولكي يقام السودان الجديد على قواعد متينة لا بد أن يشكل الحوار الجامع حجر الأساس لبناء دولة القانون والمواطنة ، دولة يعلو فيها صوت الدستور فوق أهواء القوى السياسية ، ولا يستقيم ذلك إلا بوضع حد لمعادلة السلاح والتسييس عبر حل ودمج وتسريح جميع الحركات المسلحة دون استثناء لتكون الدولة وحدها المحتكرة للقوة الشرعية ، بالتوازي مع إعادة صياغة قانون الأحزاب السياسية برؤية صارمة تمنع التشرذم والتكسب الشكلي ، بحيث يُشترط لتأسيس أي حزب ألا يقل عدد مؤسسيه عن خمسمائة ألف عضو يمثلون مختلف أقاليم السودان وولاياته ضماناً لقوميته وتعبيره عن الخارطة الوطنية الشاملة.
إن المخرج الوحيد من هذه الدوامة يتطلب استلهام التجارب الإنسانية الملهمة وفي مقدمتها التجربة الرواندية والتجربة الجنوبية أفريقية اللتان أثبتتا أن التعايش السلمي وبناء المستقبل لا يتحققان بشرعنة الانتقام أو إعادة إنتاج الإقصاء بل عبر الحقيقة والمصالحة والعدالة الناجزة وتأكيد سيادة القانون ، إن المطلوب اليوم هو الشجاعة في مواجهة الذات والترفع عن الخصومات الضيقة لصالح وطن يتسع للجميع وينهض بوعي أبنائه لا بأوهام إلغاء الآخر وقبل كل ذلك لابد من وعي جماهيري جمعي يعمل بكل ما في وسعه من اجل ان يساهم في تدعيم قيم القانون وقيام دولة العدالة لا دولة الجور والظلم والجهوية والقبلية والشلليات.



