اتفاق مكة يقترب من البحر الأحمر

هل يستطيع السودان أن يصبح الضلع الرابع في معادلة السعودية وتركيا وباكستان؟

 

بقلم / محمد فؤاد عيد

 

في السياسة لا تُقاس أهمية الاتفاقيات فقط بعدد الدول التي توقع عليها وإنما بحجم القوة التي تقف خلف التوقيعات وبالمكان الذي تختاره تلك الدول لنفسها على خريطة العالم بعد التوقيع.

ومن هذه الزاوية لم يكن الاتفاق الدفاعي الذي جمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026 مجرد صورة بروتوكولية تجمع ثلاثة قادة ولا اتفاقاً عسكرياً عابراً يمكن أن يضاف إلى عشرات الاتفاقيات التي تمتلئ بها أدراج وزارات الدفاع.

فالاتفاق حمل نصاً واضحاً وثقيلاً في معناه السياسي والعسكري وهو أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً على الدول جميعها مع تعهد بتوسيع التعاون الدفاعي وتعزيز الردع الجماعي وهو ما دفع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مقارنته من الناحية الفنية بمبدأ الدفاع الجماعي الشهير في المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي.

هنا يصبح من المشروع أن نسأل من الخرطوم… !

أين السودان من كل هذا؟

وهل يجري بالقرب منا إعادة تشكيل خريطة أمنية وعسكرية جديدة للشرق الأوسط والبحر الأحمر بينما نقف نحن منشغلين بحربنا الداخلية؟

أم أن للسودان فرصة ربما تكون من الفرص النادرة التي صنعتها التحولات الإقليمية الأخيرة لكي ينتقل من دولة تتلقى آثار صراعات الآخرين إلى دولة تستفيد من موقعها ومصالحها في صناعة التوازنات الجديدة؟

 

*ثلاثة أضلاع.. وثلاثة أنواع من القوة :*

 

إذا نظرنا إلى الدول الثلاث التي وقعت اتفاق مكة فإننا لا نجد ثلاث دول متشابهة بل نجد ثلاث قوى يكمل بعضها بعضاً.

السعودية تمتلك القوة الاقتصادية والمالية والموقع الديني والسياسي فضلاً عن ثقلها في الخليج والبحر الأحمر.

تركيا تمتلك واحدة من أكبر المؤسسات العسكرية في حلف الناتو وصناعة دفاعية تطورت بصورة هائلة خلال السنوات الماضية من الطائرات المسيّرة إلى المدرعات والإلكترونيات العسكرية وأنظمة الحرب الحديثة.

أما باكستان فهي دولة نووية ذات جيش ضخم وخبرة عسكرية وصناعات دفاعية وتاريخ طويل من التعاون العسكري مع دول الخليج.

ولهذا فإن جمع هذه العناصر في إطار دفاعي واحد يعني أن الاتفاق يتجاوز فكرة التعاون العسكري التقليدي.

والأكثر أهمية أن أنقرة أعلنت لاحقاً أن الترتيبات المنتظرة تشمل آليات سياسية وعسكرية مشتركة وتدريبات في المجالات البرية والبحرية والجوية والسيبرانية فضلاً عن التعاون في الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتطوير والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا.

وهذه تحديداً هي النقطة التي ينبغي أن تلفت انتباه السودان.

فالبلاد الخارجة أو التي تحاول الخروج من حرب مدمرة لا تحتاج فقط إلى بنادق وذخائر جديدة إنها تحتاج إلى إعادة بناء مفهوم الأمن والدفاع نفسه.

 

*المصادفة التي ربما ليست مصادفة :*

 

الأكثر إثارة أن الخرطوم تحركت بعد أيام قليلة من اتفاق مكة باتجاه اثنين من أضلاعه بصورة لافتة.

ففي السابع عشر من أغسطس وقّع السودان والسعودية وثيقة لإنشاء مجلس تنسيق مشترك يوفر إطاراً مؤسسياً لتطوير العلاقات بين البلدين وقال وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم إن الأمن والدفاع والاقتصاد إضافة إلى أمن البحر الأحمر تقع ضمن أولويات المجلس.

وفي اليوم نفسه تقريباً كان عضو مجلس السيادة والقائد العسكري ياسر العطا في أنقرة يجري مباحثات مع رئيس هيئة الأركان التركية سلجوق بيرقدار أوغلو ويلتقي وزير الدفاع التركي يشار غولر في مباحثات تناولت العلاقات العسكرية بين البلدين.

وقبل ذلك في الثاني من يونيو كان عبد الفتاح البرهان في أنقرة يلتقي الرئيس رجب طيب أردوغان حيث أعلنت الرئاسة التركية أن الجانبين يعملان على تطوير علاقاتهما في مجالات بينها التجارة والزراعة والطاقة والدفاع.

من الصعب أمام هذا التسلسل ألا نطرح السؤال:

هل يتحرك السودان تدريجياً نحو الدائرة الاستراتيجية التي أصبحت تضم الرياض وأنقرة وإسلام آباد؟

لا توجد حتى الآن وفق المعلومات المعلنة، دعوة رسمية للسودان للانضمام إلى اتفاق مكة وبالتالي سيكون من الخطأ القفز إلى نتيجة كهذه.

لكن السياسة لا تبدأ دائماً بطلب العضوية.

أحياناً تبدأ ببناء شبكة المصالح التي تجعل العضوية أو الشراكة أمراً منطقياً في مرحلة لاحقة.

 

*البحر الأحمر.. الورقة التي لا يستخدمها السودان جيداً :*

 

يمتلك السودان واحدة من أهم الأوراق الجيوسياسية في المنطقة لكنه نادراً ما أحسن استخدامها إنها البحر الأحمر.

فعلى الضفة الغربية لذلك البحر يمتد الساحل السوداني وفي المقابل تقع السعودية وعبر البحر تمر واحدة من أهم طرق التجارة والطاقة في العالم وصولاً إلى باب المندب وقناة السويس لذلك فإن أمن البحر الأحمر ليس قضية سعودية أو مصرية أو يمنية فقط.

 

*السودان جزء أصيل من معادلته :*

 

بل إن الخرطوم تستطيع إذا أحسنت إدارة هذه الورقة أن تجعل من موقعها الجغرافي مدخلاً لعلاقات مختلفة تماماً مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

السعودية تريد بحراً أحمر آمناً

تركيا تريد حضوراً اقتصادياً واستراتيجياً متزايداً في أفريقيا والبحر الأحمر.

وباكستان تمتلك خبرة بحرية وعسكرية واسعة.

أما السودان فيمتلك الموقع.

وفي الجغرافيا السياسية قد يكون الموقع أحياناً أغلى من المال والسلاح.

ولكن ماذا يريد السودان؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

إذا كانت الخرطوم تنظر إلى الاتفاق الجديد باعتباره فرصة للحصول على مزيد من الأسلحة فقط فإنها ستكون قد أهدرت ربما أهم جانب فيه.

فالسودان بعد الحرب يحتاج إلى مشروع لإعادة بناء القوات المسلحة وليس مجرد ملء مخازن السلاح.

يحتاج إلى جيش قومي محترف وأنظمة مراقبة للحدود ودفاع جوي وقدرات بحرية وتكنولوجيا اتصالات وأمن سيبراني ومؤسسات تدريب حديثة.

وهنا يمكن أن تنشأ معادلة مثيرة للغاية:

التمويل والاستثمار السعودي

والتكنولوجيا والصناعة التركية

والخبرة والتدريب الباكستاني

والموقع والموارد السودانية.

إذا استطاعت الخرطوم تحويل هذه العناصر إلى مشروع مشترك فإن السودان يستطيع خلال سنوات أن ينتقل من مستورد كامل للتكنولوجيا العسكرية إلى دولة تستضيف مراكز للصيانة والتدريب وربما خطوطاً للإنتاج المشترك.

وعندها لن تكون العلاقة قائمة على سؤال كم بندقية سنحصل عليها ؟

بل على سؤال أكثر ذكاءً:

كم معرفة وتكنولوجيا سنمتلك؟

من استيراد السلاح إلى صناعة القوة

من أكبر أخطاء الدول الفقيرة أنها تنفق المليارات على السلاح ثم تعود بعد سنوات لشراء السلاح نفسه مرة أخرى.

فكل طلقة مستوردة تعني مالاً يخرج من البلاد.

وكل قطعة غيار مستوردة تعني انتظاراً واعتماداً على الخارج.

لكن نقل التكنولوجيا يغير المعادلة.

يمكن للسودان مثلاً أن يسعى إلى إنشاء مراكز مشتركة لصيانة الطائرات والطائرات المسيّرة والعربات العسكرية ثم يتدرج لاحقاً نحو تصنيع قطع الغيار وبعض الذخائر والأنظمة الإلكترونية.

ويمكن أن يتوسع التعاون ليشمل أنظمة مراقبة الحدود ومكافحة التهريب وحماية المنشآت الحيوية والموانئ.

وبذلك تتحول العلاقة من شراء السلاح إلى امتلاك جزء من صناعة السلاح والتكنولوجيا المرتبطة به.

وهذه قفزة استراتيجية لا مالية فقط.

السعودية تستطيع أن تقدم ما هو أكبر من الدفاع، لكن من الخطأ كذلك أن يختصر السودان علاقته بالسعودية في المجال العسكري.

السعودية ربما تكون بالنسبة للسودان أكثر أهمية في اليوم التالي للحرب منها أثناء الحرب نفسها.

فالسودان سيحتاج إلى إعادة إعمار هائلة.

طرق كهرباء مياه مستشفيات مصانع سكك حديدية موانئ قطاع زراعي يحتاج إلى تمويل وتقنيات وأسواق ومدن تعرضت لبنية واسعة من الدمار.

وهنا تستطيع الخرطوم طرح معادلة مختلفة حيث اننا لا نريد علاقة أمنية منفصلة عن الاقتصاد وإنما شراكة أمن وتنمية وإعمار وقد أشار وزير الخارجية السوداني نفسه بعد إنشاء مجلس التنسيق السعودي السوداني إلى إمكان التكامل بين القدرات السعودية والموارد الطبيعية السودانية.

وتلك عبارة إذا تحولت من خطاب دبلوماسي إلى مشاريع على الأرض قد تكون أهم من كثير من الاتفاقيات السياسية.

 

*وهل يصبح السودان العضو الرابع ؟ :*

 

السؤال مغرٍ لكن الإجابة تحتاج إلى قدر من الحذر.

لا ينبغي أن يطرق السودان أبواب أي تحالف من موقع المحتاج.

فالدول المحترمة لا تدخل التحالفات لأنها تبحث عمن يحميها فقط وإنما لأنها تمتلك شيئاً يحتاج إليه الآخرون.

والسودان بالفعل يمتلك الكثير يمتلك ساحلاً استراتيجياً يمتلك الزراعة والمياه والثروة الحيوانية والمعادن يمتلك موقعاً يصل بين العالم العربي وأفريقيا جنوب الصحراء.

ويمتلك واحدة من أهم البوابات الغربية للبحر الأحمر.

إذن السؤال الذي ينبغي أن يحمله المفاوض السوداني ليس ماذا ستعطوننا إذا اقتربنا منكم؟

بل:

ماذا يمكن أن نبني معاً ؟

الفارق بين السؤالين هو الفارق بين دولة تابعة ودولة شريكة.

مصر أيضاً في الحسابات

وهناك عامل آخر لا يمكن للسودان تجاهله وهو مصر.

فأنقرة تحدثت بالفعل عن قابلية الإطار الجديد للتوسع وورد اسم مصر باعتبارها دولة مرشحة محتملة مستقبلاً.

وإذا تطورت الأمور يوماً إلى إطار يضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر فإن البحر الأحمر وشمال شرق أفريقيا سيصبحان في قلب هذه المنظومة

وعندها سيكون من الغريب جغرافياً أن يكون السودان صاحب الساحل الطويل والموقع المحوري بين مصر والقرن الأفريقي غائباً عنها.

لكن الغياب يصبح ممكناً جداً عندما تفشل الدولة في تعريف مصالحها وتكتفي بردود الأفعال.

 

*المحظور الأكبر.. استبدال محور بمحور :*

 

ومع ذلك فإن أخطر ما يمكن أن يفعله السودان هو أن يفسر التقارب الجديد باعتباره دعوة للارتماء في محور إقليمي جديد.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً على مدى عقود عندما أصبحت علاقاته الخارجية في أحيان كثيرة انعكاساً للصراعات الأيديولوجية والمحاور بدلاً من المصالح الوطنية.

لا يحتاج السودان اليوم إلى عدو جديد لكي يكسب صديقاً جديداً.

ولا ينبغي أن تتحول علاقته بالسعودية وتركيا وباكستان إلى عداء مع دولة أخرى.

وقد شددت تركيا نفسها على أن اتفاق مكة دفاعي ولا يحدد إيران أو أي دولة أخرى باعتبارها عدواً مشتركاً.

وهذه فلسفة تصلح للسودان أكثر من غيره.

صداقة مع الجميع بقدر الإمكان وتحالف مع المصلحة السودانية دائماً.

 

وماذا عن الحرب الداخلية وهنا توجد المفارقة المؤلمة.

فمن الصعب على دولة أن تصبح رقماً مؤثراً في منظومة أمن إقليمي بينما لا تزال تحمل داخل حدودها أكثر من جيش وأكثر من مركز للسلاح

أي مشروع جاد لإعادة بناء القوة السودانية لابد أن ينتهي إلى حقيقة واحدة وهى دولة واحدة جيش واحد وسلاح واحد تحت سلطة الدولة.

وإلا فإن التكنولوجيا العسكرية الحديثة نفسها قد تتحول إلى وقود لصراع جديد.

ولهذا ينبغي أن يكون أي تعاون دفاعي خارجي جزءاً من مشروع إصلاح أمني وعسكري أوسع لا مجرد تعزيز طرف في معركة داخلية لا تنتهي

 

*الفرصة التي تمر أمام الخرطوم:*

 

ربما تكون المنطقة أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل موازين القوى منذ سنوات.

السعودية تبحث عن ضمانات أمنية أوسع وعن استقلال أكبر في خياراتها الاستراتيجية

تركيا تريد تحويل قوتها العسكرية وصناعتها الدفاعية إلى نفوذ سياسي واقتصادي.

باكستان تريد توسيع حضورها الاستراتيجي خارج جنوب آسيا.

ومصر تراقب أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي.

وفي منتصف هذه الجغرافيا يقف السودان

ليس دولة هامشية كما قد يتصور البعض بل قطعة أساسية من الخريطة.

لكن امتلاك الموقع لا يعني امتلاك القوة تلقائياً

فالممر البحري لا يصنع دولة مهمة إذا لم تكن لديها استراتيجية.

والموارد لا تصنع دولة غنية إذا لم تكن لديها إدارة.

والجيش لا يصنع أمناً إذا ظلت الدولة محاطة بالجيوش الموازية والسلاح المنفلت.

ولهذا فإن اتفاق مكة يمكن أن يكون بالنسبة للسودان مجرد خبر دولي نقرأه لعدة أيام ثم ننساه.

ويمكن أن يكون شيئاً آخر تماماً فهو ربما نافذة لإعادة تعريف موقع السودان في البحر الأحمر والمنطقة.

والاختيار هذه المرة ليس في الرياض ولا أنقرة ولا إسلام آباد.

إنه في الخرطوم فهل تدرك الدولة أن عالماً جديداً يتشكل حولها ؟

وهل تذهب إليه حاملة مشروعاً ومصالح واضحة؟

أم تظل كما حدث كثيراً في تاريخنا تراقب القطارات وهي تعبر المحطة ثم تسأل بعد مغادرتها لماذا بقي السودان خارج العربة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى