حين تتحول الجغرافيا إلى امتحان للسيادة (١)

السودان تحت المجهر:
بين السعودية والإمارات وما يحدث بينهما من تناقضات.. أين يقف السودان !!
بقلم: محمد فؤاد عيد
السودان في قلب خرائط النفوذ
لا تقف الجغرافيا في السودان عند حدود الموقع أو المساحة أو الشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر بل هي في جوهرها امتحان للسيادة الوطنية حيث لم تعد الخريطة السودانية مرسومة بالقرار السوداني وحده بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية لقوتين خليجيتين لهما رؤيتان مختلفتان تماماً للسودان ودوره في المنطقة.
وليس من السهل قراءة موقع السودان اليوم بمعزل عن التغيرات العميقة التي تجري في الإقليم ولا عن إعادة رسم خرائط النفوذ على امتداد البحر الأحمر والقرن الأفريقي فالسودان لم يعد مجرد بلد يرزح تحت وطأة حرب داخلية مدمرة بل أصبح أيضا نقطة تقاطع حساسة بين مصالح قوى إقليمية كبرى في مقدمتها السعودية والإمارات بما لهما من ثقل سياسي ومالي واستراتيجي يجعل أي تحرك منهما موضع متابعة وتدقيق
وفي الظاهر قد يظن البعض أن الرياض وأبوظبي تقفان دائما في خندق واحد بحكم ما جمعهما خلال السنوات الماضية من تحالفات وتفاهمات ومواقف متقاربة في أكثر من ملف عربي وإقليمي لكن التمعن في المشهد يكشف أن ما بين السعودية والإمارات ليس طريقا مستقيما على الدوام بل تضاريس ومنعطفات واختلافات في الأولويات وربما تباينات في أدوات إدارة النفوذ حيث أن المفارغة الأكثر إيلاماً أن الدولتين اللتين تجمعهما علاقات تحالف تاريخية السعودية والإمارات تقفان اليوم على طرفي نقيض في التعامل مع الحرب السودانية وكل منهما تدعم طرفاً مختلفاً في الصراع بما يجعل السودان “عالقاً بشكل مأساوي في مرمى النيران” التنافسية بينهما.
دعنا نفصلها عبر هذة المشاهد ..
*المشهد الأول:*
رؤيتان مختلفتان لبلد واحد حيث ان السعودية تنظر إلى السودان من زاوية استقرار الدولة المركزية وأمن البحر الأحمر ترى الرياض أن بقاء السودان موحداً ذا سلطة واحدة هو الضمانة لاستقرار المنطقة بأسرها لذا تقيم علاقاتها مع القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان وتقود مسارات دبلوماسية في جدة تهدف إلى وقف إطلاق النار والحفاظ على مؤسسات الدولة منطقها لا استقرار إقليمي دون سودان مستقر وموحد.
بينما الإمارات تمتلك مقاربة مختلفة جذرياً تنظر أبو ظبي إلى السودان من منظور الموانئ والموارد والذهب وممرات التجارة وتنسج علاقاتها مع أطراف متعددة وأبرزها قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي وترى في تنويع العلاقات مع الفاعلين المحليين بما في ذلك الكيانات الموازية ضمانة لمصالحها الاستراتيجية في ظل نظام إقليمي متغير هذا الاختلاف ليس مجرد خلاف تكتيكي بل هو تناقض استراتيجي عميق السعودية دولة مركزية تسعى الى استقرار المؤسسات وحوار شامل بينما الإمارات تحكمها شبكة نفوذ متعددة اضف للأطراف المحلية المتنوعة وموازين قوى لا ترتبط بسلطة واحدة .
*المشهد الثاني:*
المنافسة التى تتجسد في الواقع حيث يتجلى آثار هذا التناقض في تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية السودانية مثال الذهب حيث تستحوذ الإمارات على النصيب الأكبر من صادرات الذهب السوداني بينما تسعى السعودية لإنشاء مسار بدء باستقبال الذهب عبر مصفاة محلية في تحول يعكس ترسيم منافسة اقتصادية مباشرة على أحد أهم موارد البلاد. كذلك الوساطات حين تتعدد مسارات الحل السياسي بتعدد الرعاة فلا يوجد جسم تفاوضي موحد ولا مرجعية واحدة وكل طرف في الداخل يجد من يدعمه في الخارج مما يطيل أمد الحرب ويجعل اتفاق السلام مرهوناً بتوافق خارجي قد لا يأتي قريباً.
الانقسام في الموقف الخليجي وهذا رغم محاولات التقارب بين الرياض وأبو ظبي لم يترجم هذا إلى توافق في الملف السوداني حين استمر الدعم لكل طرف لحليفه الداخلي وبقيت التناقضات قائمة وإن خفت وتيرتها أحياناً وهنا تكمن المفارغة الجوهرية السودان هو المكان الذي تُختبر فيه السيادة الوطنية وليس المكان الذي يمارس فيها القرار الوطني فعندما تتداخل المصالح الخارجية وتتضارب يتحول القرار السوداني إلى رد فعل على قرارات أخرى ويصبح السؤال المحوري هل يكتب السودانيون شروط مستقبلهم أم تُفرض عليهم من خلال توازنات إقليمية لا يملكون فيها قراراً ولا رأياً ؟ ذلك لأن إن انقسام الرعاة الإقليميين يعمق انقسام الداخل السوداني حيث أن كل فصيل يجد داعماً خارجياً يبرر استمرار القتال وتغدو “السيادة” شعاراً بلا محتوى حقيقي على الأرض بينما تُرسم حدود النفوذ وموازين القوى وفقاً لما يتفق عليه أو يختلف عليه خارجيون لا يدفعون ثمن الحرب دماً ولا معاناة والخطر الأعمق ليس في وجود تأثير خارجي فحسب بل في أن التناقض بين الراعيين يمنع أي حل شامل فالسلام يتطلب توافقاً إقليمياً وهذا التوافق غائب ما دامت كل دولة تسعى لتحقيق مشروعها الخاص في السودان على حساب الأخرى.
وهنا يبرز السؤال الأهم أين موقع السودان بين هاتين القوتين وهل هو شريك في معادلة المصالح أم مجرد ساحة تتجاذبها الحسابات.
*جغرافيا لا تسمح بالحياد :*
السودان بحكم الجغرافيا ليس بلدا عاديا في حسابات البحر الأحمر فهو يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم ويجاور مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا ويملك شريطا ساحليا يجعل من استقراره أو اضطرابه مسألة تتجاوز حدوده الداخلية إلى الأمن الإقليمي بأكمله
ولذلك فإن أي دولة تطمح إلى نفوذ مؤثر في البحر الأحمر لا يمكنها تجاهل السودان سواء نظرت إليه بوصفه بوابة لوجستية أو مجالا استثماريا أو حائط صد أمني أو ساحة تنافس على الموانئ والموارد والتحالفات لذلك من وجهة نظرى لا يحتاج السودان إلى “حكم” الخارج ولا إلى “وصاية” المنافسة بين القوى الإقليمية بل يحتاج أن تعود الجغرافيا إلى أهلها وأن تصبح الخريطة السودانية معبراً عن وحدة قرار لا ساحة لتصفية الحسابات والتناقض السعودي الإماراتي في السودان قد لا ينبغى ان يكون حرباً بين الدولتين لكنه حرب على السيادة السودانية بالوكالة ولن يستعيد السودان مكانته إلا حين يستعيد قراره المستقل وحين يدرك الرعاة الإقليميون أن مصلحة الجميع تكمن في سودان موحد حر السيادة لا في سودان مقسم يُقاسم نفوذاً بين المشاريع المتنافسة.
وتبقى الكلمة الأخيرة الجغرافيا لا تُصنع بل تُحْمى والسيادة لا تُعطى بل تُستعاد بالقرار المستقل أولاً وأخيراً.
*السعودية والسودان أمن الضفة المقابلة :*
ومن هنا يبدو أن السعودية تنظر إلى السودان من زاوية الأمن الاستراتيجي المباشر فاستقرار السودان بالنسبة إلى الرياض ليس ترفا دبلوماسيا بل جزء من استقرار الضفة المقابلة للمملكة وجزء من أمن الملاحة في البحر الأحمر وجزء من حماية المجال الحيوي الذي يرتبط بمشروعاتها الاقتصادية الكبرى وتطلعاتها الإقليمية
ولهذا تميل السعودية غالبا إلى خطاب يركز على وحدة السودان والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع الانزلاق إلى التفكك أو الفوضى المفتوحة التي قد تمتد آثارها إلى ما وراء حدود السودان.
*الإمارات مصالح تتشابك فيها السياسة والاقتصاد :*
أما الإمارات فهي الأخرى تنظر إلى السودان باهتمام كبير ولكن من منظور أكثر تشابكا يتداخل فيه الاقتصادي بالسياسي والاستثماري بالأمني والبحري بالجيواستراتيجي
فالإمارات رسخت خلال السنوات الماضية حضورا واسعا في موانئ وممرات حيوية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وتسعى بطبيعة الحال إلى تأمين مصالحها وتعزيز أدوات تأثيرها في هذه الرقعة الحساسة
وبالنسبة إليها فإن السودان ليس فقط بلدا ذا أهمية سياسية بل أيضا بلد غني بالموارد وقريب من خطوط التجارة ومؤثر في حركة الإقليم كله.
*المشكلة تبدأ من الداخل :*
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف زاوية النظر بين الرياض وأبوظبي وإنما في هشاشة الداخل السوداني نفسه
فحين تكون الدولة قوية وقادرة على ضبط قرارها الوطني تصبح علاقاتها الخارجية أدوات لتعظيم المصلحة الوطنية.
أما حين تكون الدولة ممزقة ومؤسساتها ضعيفة وسلطتها منقسمة والسلاح منتشرا فإن الخارج لا يجد صعوبة في التمدد ولا في تحويل البلد إلى مساحة مفتوحة للتأثير وربما للضغط والمساومة وإعادة التشكيل.
*من الشراكة إلى الاستخدام :*
وهنا يدخل السودان إلى أخطر منطقة في المعادلة وهي منطقة الاستخدام بدل الشراكة
فالبلد الذي يعاني من الحرب والانقسام والنزوح والانهيار الاقتصادي يصبح أكثر عرضة لأن ينظر إليه كجغرافيا قابلة للتوظيف لا كدولة تملك إرادة مستقلة
وعندها تصبح الموانئ أكثر من مجرد موانئ والذهب أكثر من مجرد ثروة والتحالفات أكثر من مجرد علاقات سياسية لتتحول كلها إلى مفاتيح نفوذ داخل بلد فقد كثيرا من توازنه الداخلي.
*السؤال ليس من الأقرب بل من يملك القرار :*
إن السؤال الحقيقي ليس من الأقرب إلى السودان السعودية أم الإمارات لأن هذا السؤال قد يقود إلى تبسيط مخل للمشهد
والسؤال الأدق هو هل يملك السودان أصلا مشروعا وطنيا واضحا يحدد كيف يتعامل مع الطرفين
وهل يعرف ما الذي يريده من الرياض وما الذي يريده من أبوظبي
أم أنه ما زال يتعامل بردود الأفعال ويترك للقوى الخارجية مهمة رسم حدود حضوره وموقعه في الإقليم.
*خطورة الارتماء في سياسة المحاور :*
فالسودان إن أراد الخروج من هذا المأزق لا ينبغي له أن ينخرط في سياسة المحاور بالصورة الساذجة التي تجعل ولاءه لهذا الطرف ضد ذاك أو تجعله يراهن على خصومة بين الحلفاء ليحصل على مكاسب ظرفية
لأن الدول الصغيرة أو المنهكة حين تلعب بهذه الطريقة كثيرا ما تتحول إلى أوراق في لعبة أكبر منها ثم تكتشف متأخرة أن الآخرين كانوا يديرون مصالحهم لا مصالحها
*العلاقات الدولية لا تعرف العواطف :*
ومن الخطأ أيضا أن يختزل بعض السودانيين المسألة كلها في سؤال أخلاقي مجرد من معنا ومن ضدنا
فالعلاقات الدولية لا تدار بالعواطف بل بالمصالح
والسعودية والإمارات مثل غيرهما من الدول تتحركان وفق حسابات الأمن والنفوذ والاقتصاد والتوازنات الإقليمية
والمطلوب من السودان ليس البكاء على هذا الواقع بل فهمه جيدا ثم بناء سياسة خارجية ناضجة تستطيع أن تستفيد من الجميع دون أن ترهن نفسها لأحد.
السودان بحاجة إلى عقل دولة :
السودان بحاجة إلى عقل دولة لا إلى عقل الجماعات المتصارعة بحاجة إلى سلطة تعرف أن البحر الأحمر ليس فقط ممرا مائيا بل ميدانا لصراع استراتيجي محتدم وبحاجة إلى نخب تدرك أن الثروات الطبيعية لا تحمي الأوطان إذا غابت المؤسسات وأن الموقع الجغرافي قد يكون نعمة حين تحسن إدارته وقد يتحول إلى نقمة حين يصبح البلد فاقدا للبوصلة وما بعد الحرب قد يكون أخطر من الحرب بل إن أخطر ما يمكن أن يواجهه السودان اليوم هو أن يدخل مرحلة ما بعد الحرب وهو أكثر تبعية للخارج من أي وقت مضى إذ لا معنى لوقف القتال إذا أعقبه توزيع جديد للنفوذ على حساب السيادة ولا معنى لإعادة الإعمار إذا كانت مقدمة لإعادة تشكيل القرار الوطني خارج الإرادة السودانية.




