استقلالٌ يصنع مساحة الوطن

هوامش السيادة
بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد
في بلدٍ أتعبته الحروب أكثر مما أتعبته السياسة، تصبح كلمة الحوار أكبر من مجرد منصة، وأثقل من مؤتمر صحفي، وأخطر من بيان عابر. فالسودان لا تنقصه العناوين الكبيرة، بل تنقصه الإرادة الوطنية القادرة على جمع المتفرقين تحت سقف الوطن، بعيداً عن الوصاية، وبعيداً عن الأجندات التي جعلت من السودان ساحةً مفتوحة لصراعات الآخرين.
*من هنا، تكتسب تصريحات رئيس لجنة الحوار السوداني–السوداني، البروفيسور قاسم بدري، أهميتها. الرجل تحدث بوضوح عن استقلالية اللجنة، وعن أن أعضاءها لا تحركهم إلا مصلحة السودان، ومحاولة إنهاء المأساة التي صنعتها الحرب في حياة المواطن وبيته ومستقبله.*
وهذه ليست عبارة للاستهلاك السياسي.
*فاستقلالية اللجنة هي، في جوهرها، استقلال القرار الوطني.*
أن يجلس السودانيون إلى بعضهم البعض بلا وسيط يوزع عليهم الأدوار، ولا وصيّ يكتب لهم الأسئلة، ولا عاصمة خارجية تحدد من يتحدث ومن يصمت، ولا جهة نافذة تحاول أن تجعل من الحوار بوابةً خلفية لعبور أجندة خاصة.
السودان لا يحتاج إلى من يعرف مشاكله نيابةً عنه.
*أهله أدرى بجراحه.*
*وأبناؤه أحق بكتابة طريق شفائه*
ولهذا، فإن استقلال لجنة الحوار ليس مجرد ضمانة إجرائية، بل هو الشرط الأول لنجاح أي طريق وطني جاد. فحين تدخل الوصاية إلى قاعة الحوار، يخرج الوطن منها ناقص السيادة. وحين تتحكم الأجندات في اختيار الحاضرين والموضوعات والنتائج، يصبح الحوار اسماً محترماً لعملية سياسية قديمة.
*الفرصة هذه المرة يجب ألا تُختطف.*
لا لصالح حزب ، ولا لصالح جماعة ولا لصالح حكومة ولا لصالح سفارة ..
*الحوار السوداني يجب أن يبقى سودانياً، لأن الوطن لا يُدار من شرفة خارج حدوده، ولأن الدول التي تملك قرارها لا تنتظر من الآخرين أن يمنحوها حق التفكير في مستقبلها.*
واللجنة المستقلة مطالبة، في هذا الطريق، بأن تكون مفتوحة للجميع دون أن تصبح رهينة لأحد. وأن تستمع إلى كل صوت وطني دون أن تمنح أصحاب المشاريع المدمرة حق تحويل الحوار إلى منصة لإعادة إنتاج الحرب بلغة السياسة.
*فالحياد لا يعني السذاجة.*
والانفتاح لا يعني فتح الباب لمن يريدون تحويل السودان إلى غنيمة.
*الوطنية أيضاً تحتاج إلى حدود.*
لا يمكن مساواة من يبحث عن تسوية تنقذ الدولة بمن يرى في انهيارها فرصة. ولا يمكن تقديم من حمل السلاح ضد مؤسسات البلاد في ثوب الشريك الوطني من دون أن يُسأل عن موقفه من الدم والسيادة ووحدة السودان.
وهنا، تقف اللجنة أمام مسؤولية كبيرة: أن تحمي الحوار من الاستغلال، لا أن تكون جسراً له.
فالمستقلون لا يخدمون أجندة الحكومة، لكنهم أيضاً لا يصبحون مطيةً للمعارضة. لا يطلبون رضا الخارج، ولا يبيعون قرارهم لمن يملك المال أو المنابر أو النفوذ. استقلالهم الحقيقي يظهر في قدرتهم على قول لا للجميع، إذا تعارضت رغبات الجميع مع مصلحة السودان.
السودانيون اليوم لا ينتظرون مهرجاناً جديداً للكلام.
ينتظرون نهاية للحرب.
وطريقاً لاستعادة الدولة.
وضمانة لعودة الناس إلى بيوتهم.
ووطناً لا يُدار بالسلاح ولا بالمؤامرات.
ومن هنا، فإن قوة هذه المبادرة ليست في أسماء من يجلسون حولها، بل في قدرتها على أن تبقى ملكاً للسودانيين جميعاً.
لا أحد يحتكر الوطن.
ولا أحد يملك صك الوطنية.
ولا جهة خارجية تملك حق توزيع مستقبل السودان على المتصارعين.
سيادة السودان تبدأ من استقلال قراره، واستقلال قراره يبدأ من أن يتحدث أبناؤه إلى بعضهم بصدق، وأن يختلفوا دون أن يستدعوا الغريب ليحكم بينهم.
ومن يراقب هذه المبادرة بعينٍ وطنية، لا يتمنى لها إلا النجاح، لأنها ليست تجربة لجنة تبحث عن موقع، بل اختبار وطن يبحث عن مخرج.
أما الذين يريدون استغلال الحوار لصناعة مكاسب صغيرة، فليدركوا أن السودان أكبر من مقاعدهم، وأبقى من حساباتهم، وأن البلد الذي دفع ثمن الحرب من دم أبنائه لن يسمح لأحد أن يحوّل السلام إلى غنيمة.
هذه هي المعركة الحقيقية: أن يستعيد السودان صوته.
ومن لا يحتمل أن يتحدث السودانيون عن السودان وحدهم… فهو لا يريد حواراً، بل يريد أن يتكلم باسمهم.



