رمضان محجوب يكتب:عصر ​”الشفشافة”…!!

شهادة قلم عاصر الانكسار​ الحلقة 47

​▪️ لم تكن “الشفشفة” سرقة عابرة تُرتكب في غفلة من الزمن، بل أقيمت على عين المليشيا كدورة اقتصادية طفيلية ونمط حياة مفروض، روجت له لتجعله غنيمة مباحة. حين توغلت عناصرها في ديارنا، لم تكن تبحث عن حسم ميداني لشرف المعركة، بل عن استباحة شاملة تعري الإنسان وتفرغ بيته من زاد عمره ومستندات وجوده. فصار النهب هو العصب المحرك لخطاهم، وتحول المواطن في عيونهم المريضة إلى مجرد مخزن ممتلكات مفتوح يستباح متى شاءوا.

​▪️ هنا هوى للأسف كثيرون ممن كنا نحسبهم أصحاب نخوة وشهامة. رأيت بأم عيني جيراناً كنت احسبهم اهل سبق وصدق أقسموا قديماً على صون الجار، وهم يقتحمون المتاجر والبيوت الآمنة في قلب الخرطوم، ثم يعودون غدواً وعشياً بما سرقوه ليعرضوه في أسواق علنية اسموها “اسواق دقلو” بلا غضاضة ولا خجل. منظر يفطر المهج؛ أن ترى ثمرة كد السنين وتباشير التعب تباع أمام ناظريك بثمن بخس في أسواق السلب والنهب العشوائية.

​▪️ ولم ترتوِ تلك الأطماع الهوجاء عند حدود العقار أو المتاجر، فامتدت الأيدي الآثمة نحو الدواجن والمواشي في المزارع، ولم ترتدع حتى عن اقتلاع أبواب المنازل وتجريد الجدران من أسلاك الكهرباء والنحاس. أحالوا الخرطوم العريقة إلى مدينة أشباح موحشة، لا يكسر صمتها المأساوي سوى هدير الشاحنات العابرة التي تنقل أثاثات البيوت لجهات مجهولة، وسط حالة من الصمت والوجوم والخوف المخيم على الجميع.

​▪️ وتكرر ذات المشهد الدميم في ولاية الجزيرة. فما إن وطأت أقدام المليشيا مدني حتى تسابق ضعاف النفوس نحو سلب كل ما وقعت عليه أيديهم؛ متاجر، مصانع، وحتى منازل الغياب التي تركها أصحابها بحثاً عن الملاذ الآمن. مشهد يدمي الفؤاد حين يتجرد آدمي من إنسانيته ليتحول إلى ذئب كاسر يقتات على محنة جاره، وكأن ما بين الجنبات من حياء قد تبخر للأبد.

​▪️ أما محاولة تعليق هذه الموبقات على شماعة الفقر فليست سوى كذبة سمجة يلوكها مهتزو الضمائر لتسكين شعورهم بالإثم. الفقر الشريف لا يدفع للسرقة، شاهدت من يرتكبون الفظائع وهم في بحبوحة تامة، دافعهم الوحيد هو شهوة الاستحواذ على ما ليس لهم. هي ثقافة الغنيمة المسمومة التي زرعتها المليشيا لتفرخ وعياً مشوهاً في أجيال تنشأ وترضع ظنّاً أن سلب الآخرين حق مكتسب.

​▪️ انفرط عقد القانون وغاب الردع المجتمعي الذي كان يحجز النفوس عن ارتكاب الحرام. وبات “الشفشاف” يتبجح بفعلته، يروي بفخر مزيف تفاصيل اقتحامه وكأنه أتى بفتح مبين. هذا الانهيار الأخلاقي هو الطامة الكبرى؛ فتعويض الحطام والمال هين يسير، لكن من يجرؤ على إخبارنا كيف نغسل بعض الضمائر التي تمرغت في أوحال الشفشفة والحرام؟

​▪️ عواقب هذا السقوط على الأجيال الناشئة ستكون كارثية بكل المقاييس. فالصغير الذي يرى أباه عائداً بغنيمة مسروقة سينشأ معتقداً أن هذا هو درب النجاة والرزق الوحيد. نعم لقد عاثت المليشيا عبر حربها فساداً في المعايير الراسخة التي هذبتنا، فصار معيار النجاح يقاس بحجم المسلوب لا بعرق الجبين وجهد اليد الشريفة، وهو ما ينذر بضياع مناعة المجتمع الأخلاقية التي صمدت دهوراً.

​▪️ كم أستعيد تلك الأيام الخلت حين كان الإنسان يستحي من مثقال ذرة أخذت بالخطأ من جاره، لنصل اليوم إلى درك أصبح فيه النهب سلوكاً جماعياً مألوفاً. عدوى خبيثة انتقلت من سلوك المليشيا إلى الفرد، لتفرز مجتمَعَ غابةٍ يقوم على السلب والنهب.وهذا لعمري انحدار قيمي غير مسبوق يضعنا أمام أسئلة موجعة عن ملامح هذا المجتمع الذي تتشكل ملامحه تحت وطأة غياب القانون وسطوة الفوضى.

​▪️ إنها ليست مجرد أثاثات مفقودة، بل هي أعمار كاملة تبخرت وذكريات عزيزة تم العبث بها بلا مبالاة. وانت تقف ناظراً إلى ملابس أطفالك تعرض على قارعة الطريق للبيع لعمري انه وجع لا تصفه الحروف. هؤلاء السدنة يجهلون أن ما استولوا عليه سيطاردهم كلعنة الي يوم الحساب حيث عند الله تجتمع الخصوم ؛ فعدالة السماء وإن أمهلت فإنها لا تغفل عمن استباح حرمة بيت أخيه وروّع أهله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى