تقارير الخبراء ولجان التقصي .. الصمت الدولي وقود الحرب

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
بتاريخ الثالث من سبتمبر الجاري صدر تقرير عن بعثة الأمم المتحدة الدولية لتقصي الحقائق حول الحرب السودانية التابعة لمجلس حقوق الإنسان، وكذلك صدر تقرير عن فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن لعام ٢٠٢٥م، والتقارير والمعلومات التي تشملها مبذولة ومُتاحة للكل، وتلقت الجهات التي قامت بالتكليف نسخًا من هذه التقارير والمعلومات، وبالتالي فإن الحاجة هنا ليست حاجة لمعرفة ماذا قالت التقارير آنفة الذكر، وإنما هو ثم ماذا بعد محطة المعرفة، وما هو الفعل المنتظر أن تقوم به هذه الجهات، أم أن التكليف للجان وفرق الخبراء يتوقف سقفها في حدود توفير المعلومات؟
في جوانب واضحة من تقرير لجنة تقصي الحقائق يتضح بأن التقرير لم يعد يتحدث بلغة الاتهامات والروايات المتبادلة، بل وصل التقرير إلى مرحلة التحقق بالأدلة وإفادات شهود عيان وأصحاب معرفة مباشرة تقود إلى وجود شبكة عابرة للحدود دعمت العمليات العسكرية للدعم السريع عبر خطوط جوية وبرية وبحرية، ورسمت المعلومات الواردة في التقرير خارطة الطريق الذي سلكته خطوط الدعم والإمداد هذه، كما وثق التقرير تجنيد وتدريب ونشر مقاتلين أجانب، ونقل أسلحة وذخائر وتقنيات عسكرية ودعم لوجستي.
الحقيقة التي تغيب هنا هي ما الذي يُستفاد من “كوم” المعلومات والوثائق والأدلة التي تم الحصول عليها وتم إنفاق مال ووقت لتكون في يد الجهة التي أصدرت قرارات التكليف للجان تقصي الحقائق، إن لم يكن ذلك قرارات ومواقف تتخذ في سبيل إيقاف الحرب وتخفيف معاناة الشعب السوداني منها، فالحقائق موجودة، إلا أن المحاسبة والأفعال معدومة في الملف السوداني.
لم يعد من المفهوم ألا يكون لمثل هذه التقارير والمجهودات الدولية للجان الدولية لتقصي الحقائق وتقارير الخبراء الموثقة أي أثر يذكر في إيقاف الحرب وتخفيف آثارها على المدنيين، وهنا بالضرورة نحن لا نريد الوصول إلى قرارات مبنية على الانحيازات والرغائب، فتلك تظل في خانة ومكانة الاتهامات السياسية معلومة الأغراض والدوافع، بينما تجاوزت التقارير الأخيرة هذا المربع إلى مربع الأدلة الأممية.
لا زال المجتمع الدولي في أوقات كثيرة، وعلى الرغم من التسميات القوية للجان “الدولية” و”المستقلة” والمهام المحددة في قرارات التكليف “تقصي الحقائق”، والتي يقف على رأسها “خبراء” دوليون، لا زال يتعامل مع المشكل السوداني على أساس أنه “صراع روايات”.
الوضوح في لغة التقرير الأخير، والذي تحدث عن توصل اللجنة إلى أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بوجود شبكة عابرة للحدود لتسهيل العمليات العسكرية للدعم السريع، يدفع بالأسئلة حول ما تحتاجه الجهات صاحبة التكليف أكثر من هذه التعابير ذات الدلالات المهنية والقانونية التي لا تقبل التأويل، ولم يعد الأمر مجرد رواية سودانية لما يحدث في هذه الحرب، وإذا كانت الأمم المتحدة نفسها قد انتقلت من تسجيل الاتهامات إلى التحقق من الأدلة، فلماذا ما زال التعامل السياسي مع الملف مستمرًا؟
ما هي الخطوات التالية للمنظمة الدولية بعد كل ما كتبته لجنة تقصي الحقائق وتقارير الخبراء الدوليين وما رسموه من خارطة تقول بأن الحرب نفسها لم تعد سودانية، وأنها حقيقة انتقلت إلى خارطة أوسع من حالة يمكن معها الوصف بأنها مجرد حرب أهلية؟
التقارير لا تتحدث عن جهة واحدة بصورة منفردة، وإنما عن شبكة من أفراد وكيانات ووسطاء ومراكز عبور وخطوط نقل وإمداد، وبالتالي فإن الحرب في السودان “عيارها فلت”، ولم يعد الانتظار وإهدار الوقت عاملًا إيجابيًا في التعامل معها والجلوس في مقاعد المتفرجين والاكتفاء بإصدار قرارات تكليف اللجان والخبراء.
لن يكون هذا مقبولًا، والتقارير تقول بوضوح بأن “الدعم الخارجي” هو الذي عزز من قدرات المليشيا في التمدد العملياتي الذي كانت نتائجه ظاهرة سابقًا للجميع في بارا والفاشر وبابنوسة وكل نواحي الجغرافيا التي تتمدد يوميًا للحرب في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق، فالحرب أصبحت لها بنية إمداد إقليمية ودولية، والمجتمع الدولي مسؤول مسؤولية مباشرة عن معالجة هذه الاختلالات المفضية للكوارث المصاحبة لتمدد جغرافيا الحرب.
لغة التقارير مفهومة ولا تحتمل أي تأويل، فهي لم تقل ذلك لإثبات حالة دعم خارجي للحرب في مستوى “هامشي”، بل تتحدث بالتفصيل عن مدافع هاوتزر NORINCO AH-4 عيار 155 ملم ومنظومات دفاع جوي FK-2000 ورادارات وعربات مدرعة وسيارات دفع رباعي، إضافة إلى الذخائر والأسلحة وتوفير للإمدادات الطبية وإجلاء الجرحى وإنشاء المستشفيات الميدانية وتوفير تقنيات الطيران المسير ومنظومات التشويش، وبالتالي كل ذلك يعتبر بينات مثبتة على جرائم الدعم الخارجي وتورط جهات في إذكاء نار الحرب والانتهاكات ضد المدنيين بسبب إطالة عمر الحرب في السودان.
مجرد ذكر أن تلك المعدات التي جاء ذكرها في التقارير وتم إيصالها للمليشيا تتوافق خصائصها مع معدات سبق وأن تم تصديرها لجهات معلومة، فإن هذا يستدعي من الجهات التي أصدرت قرارات تكليف بالتقصي والتحقيق أن تُدار عمليات التقصي والتحقيق بطريق آخر، بحيث يشير بوضوح أكثر للجهات التي تتحمل مسؤولية إطالة الحرب في السودان، والوضوح أيضًا في الإجراءات المتخذة حيال هذه الأفعال.
المقدمات التي تكتب بصياغة عبارات سياسية مشحونة بالحس العاطفي في تقارير الخبراء ولجان تقصي الحقائق تتجاوز حقيقة أن السلاح قادر على تغيير ميزان القوى، وبالتالي كيف يمكن أن نطالب السودانيين وحدهم بإنهاء الحرب بينما تستمر خطوط الإمداد والدعم الخارجي لهذه الحرب؟ فالمنطق يقول بحبس الوريد المغذي للحرب كأولى خطوات إيقاف الحرب بشكل نهائي في السودان.
(*) الصمت الدولي وقود للحرب ..
ونريد هنا أن نعيد تعريف الصمت الدولي حتى لا يحدث الالتباس لدى البعض بسبب اعتقادهم بأن المجتمع الدولي لم يختر خيار الصمت في أزمة وحرب السودان، وأن تقارير لجان التقصي الدولية وما يكتبه الخبراء الدوليون عنها يعتبر كافيًا تمامًا لإعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته التي تخلى عنها تمامًا تجاه الشعب السوداني.
تقارير “توصيف” الحالة السودانية أثناء الحرب لمدة أربعة سنوات والاكتفاء بها كل ستة أشهر يعاد فيها تجديد تكليف البعثة الدولية لتقصي الحقائق تعتبر هي مثال حي للصمت الدولي ودليل على أن المجتمع الدولي نفسه أصبح شريكًا متهمًا بالإهمال المفضي لكل هذه الجرائم والانتهاكات.
وكيف لا يكون الأمر كذلك والتقرير يربط الدعم الخارجي بعمليات عسكرية قامت بها مليشيا الدعم السريع في “مخيم زمزم / مدينة الفاشر”، ويشير إلى أن ما حدث فيها تضمن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وحقوق الإنسان وجرائم دولية، بما في ذلك سلوك يحمل سمات “الإبادة الجماعية”.
وهنا يجب ألا ينتهي التقصي والتحقيق إلى إجابة عن سؤال من قام بقتل وانتهاك حقوق المدنيين، بل يجب أن يمضي ليلاحق من قاموا بالتمويل والإمداد والنقل ومن تستر على مثل هذه المعلومات، وذلك ما اتفقت عليه معنا التصريحات الصادرة من السيدة / جوي إيزيلو، والتي شددت صراحة على أن المساءلة لا ينبغي أن تتوقف عند منفذي الهجمات، وإنما تمتد إلى كامل سلسلة المسؤولية.
لم يكتشف الخبراء وأعضاء لجنة تقصي الحقائق “الذرة” وهم يكتبون في التقارير بأن هنالك وصولًا لأكثر من ٢٠٠٠ مقاتل عسكري كولومبي سابق ليكونوا مشاركين في عمليات عسكرية وفنية متعلقة بالتعامل مع أنظمة الطيران المسير، وهذا شيء إن لم تفهمه المنظمة الدولية على أساس أنه تحول الحرب السودانية إلى مزاد دولي وسوق دولية للخبرات العسكرية والمرتزقة، فما من جدوى للجان التحقيق والتقصي وتقارير الخبراء الدوليين.
ففي حرب مثل حرب السودان، وعندما يأتي المقاتل من كولومبيا، والسلاح عبر شبكة إمداد دولية، والتمويل عبر شبكات خارجية، والمعركة داخل الفاشر أو كردفان، فإن تسمية الحرب “نزاعًا داخليًا” تصبح وصفًا ناقصًا لواقع دولي متشابك في السودان وغير دقيق بالمرّة.
ثانيًا، وهذا شيء مهم .. وهو أن المعلومات المذكورة في تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية التابعة لمجلس حقوق الإنسان بشأن السودان والمنشورة في ٣ سبتمبر الجاري لم تكن نتاجًا لاكتشافات جديدة وتنقيب قامت به اللجنة منذ تجديد تكليفها في السودان، بل هي ببساطة عززت وعملت على تأكيد ما جاء به تقرير الخبراء الدوليين في تقارير العام ٢٠٢٥م، والذي وصف استمرار سيطرة الدعم السريع على معظم ولايات دارفور، وأشار إلى أن شبكات دعم لوجستي مكّنته من مواصلة حملاته العسكرية، وإلى ارتباط الحرب بشبكات إقليمية ونهب الموارد وتمويل العمليات العسكرية، وأن العالم بالأساس لم يكن يجهل كل ما يحدث، وبالمقابل فإنه لم يقم بما هو كافٍ حيال ذلك.
الحالة السودانية لم تعد بحاجة للمزيد من التقارير والأدلة والخطب والبيانات والشجب والإدانة ومواقف التحذير من تردي الحالة الإنسانية، بل تحتاج الإرادة السياسية من مكونات المجتمع الدولي لتحويل كل ذلك إلى تكلفة حقيقية على من يغذي الحرب ويزيد من ضحاياها وانتهاكاتها.
المثير للحيرة في قراءة التقارير الأخيرة عن الحالة السودانية هو شمول هذه التقارير على دعوات إلى اتخاذ إجراءات حيال الجهات التي تمول عمليات الحرب في السودان وتطبيق حظر الأسلحة المفروض على دارفور ووقف عمليات النقل العسكري عندما يوجد خطر كبير في استخدامها في انتهاكات جسيمة، إضافة إلى التحقيق مع الأفراد والكيانات المشاركة في شبكات الدعم غير المشروعة وتعزيز إجراءات المساءلة، لأن المعلوم أن لجان التحقيق والتقصي والخبراء يقدمون التوصيات فقط، فإلى من تقدم الدعوات باتخاذ الإجراءات في البيان الصادر؟.
فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن لديه أصلًا ولاية لمراقبة حظر الأسلحة والعقوبات في دارفور وتقديم توصيات للمجلس، وقد مُدّدت ولايته حتى 12 أكتوبر 2026 بموجب القرار 2791 لعام 2025م، فما الذي تم إنجازه بخصوص توصيات التقرير الصادر في ٢٠٢٥م، وهل لو تم تحويل تلك التوصيات إلى قرارات رادعة كانت ظهرت الانتهاكات والتجاوزات المذكورة في تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق؟
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن المشكلة ليست في نقص المعلومات لدى المجتمع الدولي، المشكلة في فجوة التنفيذ التي تظهر عجز المجتمع الدولي في التعامل مع الملف السوداني.
كيف يمكننا أن نفسر الصمت الدولي عن حالات الامتناع من بعض الدول في التعاون مع لجانها المستقلة للتحقيق والتقصي وعدم تلقي اللجنة لردود على الأسئلة التي وجهتها إليها بما يخدم التحقيق الدولي، وجوهر القضية متعلق بشبكات إمداد عسكرية عابرة للحدود.
وفي الوقت الذي يصل فيه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة / بيكا هافيستو عزيزي القارئ إلى الخرطوم في 4 سبتمبر 2026 للتباحث حول خفض التصعيد وحماية المدنيين والحوار السوداني المزمع عقده، تصدر تقارير لجنة تقصي الحقائق في اليوم السابق للزيارة كما ذكرنا، ليقول إن شبكات الدعم الخارجي ما زالت تغذي الحرب، ومع ذلك يتوقع أن تنجح وساطته السياسية في السودان.
على السيد المبعوث / بيكا هافيستو أن يعلم بأنه لا يمكن أن تطلب من السودانيين الجلوس إلى طاولة التفاوض هكذا ببساطة لإيقاف الحرب، بينما تسمح البيئة الإقليمية والدولية باستمرار تدفق السلاح والإمداد والدعم اللوجستي.
لقد تجاوز السودان مرحلة البحث عن حقيقة الحرب، فهنالك تقارير أممية أصدرتها لجان التقصي والخبراء الدوليون تحوي معلومات كافية وشهادات وخرائط ومسارات إمداد وشبكات تجنيد ومراكز عبور، ولم يعد المطلوب هو لجنة جديدة تقول لنا إن المدنيين يموتون وتنتهك حقوقهم في السودان، بل المطلوب هو إرادة سياسية للمجتمع الدولي تسأل من مكّن القاتل وتحاسبه.



