أبوذر عوض الكريم احمد يكتب : المرايا كذّابة

هوامش السيادة

خالد سلك… خائن وعميل. لا تحتاج هذه الجملة إلى لجنة تحقيق سياسية ولا إلى مؤتمر صحفي؛ يكفي أن تضع الرجل أمام مرآة مواقفه، ثم اسأله: لمن كنت تتحدث؟ ولمن كنت تشتكي وطنك؟ ومن أين كنت تستمد شرعيتك؟

 

بعض السياسيين ابتلوا بمرض خطير: إدمان التصفيق الخارجي. يذهبون إلى السفارات، يجلسون تحت أضواء المؤتمرات، يسمعون كلمتين من مسؤول أجنبي، فيعودون إلى الخرطوم وفي جيوبهم شهادة زعامة مختومة بالخارج!

 

المرايا كذّابة. وقد يكون بعضها دبلوماسياً أيضاً.

 

سلك وأمثاله يريدون أن يجعلوا من الخارج ميزاناً للوطن: ما تقبله العواصم يصبح وطنية، وما ترفضه يصبح جريمة، وما تقوله السفارة يتحول فجأة إلى «إرادة الشعب». يا سلام! بقي فقط أن تُجرى الانتخابات في صالة انتظار السفارة، ويُعلن الفائز بعد ختم الجوازات.

 

لكن السودان بلد آخر.

 

بلد لا يمنح صك الوطنية لمن يكثر من السفر، ولا يوزع أوسمة البطولة على أصحاب البيانات المصقولة. هذا وطن يعرف رجاله في ساعة النار؛ يعرف من حمل البندقية، ومن حمل الميكروفون، ومن حمل حقيبته وركض يبحث عن منصة خارج الحدود.

 

وفي قلب هذه المعركة يقف المهيب البرهان قائداً للقوات المسلحة ورمزاً لسيادة الدولة، ولا يحتاج إلى مرآة أجنبية كي يرى موقعه. أما المستقبل السياسي فمكانه صندوق الاقتراع؛ انتخابات حرة ونزيهة يقول فيها السودانيون كلمتهم، لا مبادرة شبابية ولا بيان سياسي ولا تصفيق من خارج الحدود.

 

أما المواطن السوداني، ذلك الذي لا يجد وقتاً لترف التنظير، فقد حسم كثيراً من الأسئلة بطريقته الخاصة.

 

الفلاح يعرف. العامل يعرف. الجندي يعرف. بائعة الشاي تعرف. النازح يعرف. ومن دفع ثمن الحرب من دمه وبيته ورزقه لا يحتاج إلى محلل مقيم في فندق أجنبي ليشرح له من وقف مع السودان ومن وقف عليه.

 

وهنا تحديداً تصبح الحكاية موجعة لبعض عملاء الوطن من أبناء جلدته: السوداني لا يقرأ بياناتهم فقط، بل يقرأ ما بين السطور، وما وراء السفارات، وما تحت الطاولة.

 

ومن يبيع موقفه للخارج لا يستطيع أن يشتري به احترام الداخل.

 

يمكنك أن تحصل على صورة مع مسؤول أجنبي، ويمكنك أن تحصل على تصريح صحفي، ويمكنك أن تجمع حول اسمك عشرات الشعارات؛ لكنك لا تستطيع أن تستورد ثقة السودانيين من الخارج. تلك السلعة لا تُباع في الأسواق الدبلوماسية.

 

أما عبدة الدرهم والدولار، فمشكلتهم أنهم يتصورون أن الوطن رقم في كشف حساب. يغيّرون خطابهم بتغير الممول، ويبدّلون مواقفهم بتبدل الريح، ثم يريدون من الناس أن يصفقوا لهم باعتبارهم «رجال دولة».

 

رجل الدولة لا يحتاج أن يسأل الخارج: ماذا أقول عن بلدي؟

رجل الدولة يعرف أن الوطن أولاً، ثم تأتي بعده كل العناوين.

أما من جعل الخارج مرجعه، والسفارة قبلته، والتمويل بوصلته، فليجلس طويلاً أمام مرآته.

قد تعطيه المرآة صورة زعيم.

لكن السودان… يعرف الأصل من الصورة.

المرايا كذّابة، أما ذاكرة السودان فلا تكذب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى