سنار مدينة التاريخ… هل نمنح السياحة فرصة؟

(صوت وقضية)..

بقلم/ أميرة موسى

 

تتمتع ولاية سنار بموقع جغرافي متميز جعل منها واحدة من الولايات التي تجمع بين سحر الطبيعة وعمق التاريخ وتنوع الثقافة. لكنها رغم كل ما تملكه من مقومات لا تزال بحاجة إلى أن نمنحها الفرصة لتستعيد عافيتها وأن نجعل منها عروساً تستعيد بريقها ومكانتها.

فما يميز سنار ليس موقعها وحده وإنما تاريخها الممتد وإرثها الثقافي الأصيل فهي أرض السلطنة الزرقاء أرض السلاطين والملوك وموطن التنوع الثقافي والاجتماعي الذي شكل عبر السنين لوحة سودانية ثرية بتعدد الأعراق والقبائل والعادات والتقاليد.

لكن، وبكل صراحة لماذا لا تتحول هذه المقومات إلى استثمار سياحي وثقافي حقيقي؟

لدينا مبانٍ ومنشآت أُنشئت لتكون واجهة تاريخية وثقافية للولاية وهي في غاية الجمال والهيبة من بينها قصر السلطان والقرية التراثية والمتحف القومي ومركز سنار للحوار والتنوع الثقافي وغيرها من المواقع التي يمكن أن تكون مقصداً للزوار ومصدراً للدخل ورافداً مهماً للتنمية.

ومن الإنصاف هنا الإشارة إلى أن مركز سنار للحوار والتنوع الثقافي شهد خلال الفترة الماضية حراكاً ثقافياً لافتاً وأسهم مديره الحالي الأستاذ/ صلاح قلاديما في تفعيل دوره وإعادة تقديمه كمنصة للحوار والأنشطة والفعاليات الثقافية.. حتى أصبح حراكاً ثقافياً مميزاً للولاية.

وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالاً أكبر: هل يكفي أن ينجح فرد أو مؤسسة في تحريك هذا المكان؟

 

بالتأكيد لا.

 

نجاح المركز يجب ألا يبقى جهداً فردياً بل ينبغي أن تتحول تجربته إلى مشروع ثقافي وسياحي تشارك فيه المؤسسات الرسمية… والقطاع الخاص… والمجتمع والمثقفون والإعلاميون.. فالمكان موجود والقدرة على صناعة الحراك أثبتت وجودها… وما نحتاجه الآن هو أن يساهم الآخرون في تطوير هذا الاستثمار والاستفادة منه وتوسيعه.

وهنا يحق لنا أن نسأل: لماذا لا تتحول هذه المنشآت إلى مشروعات سياحية وثقافية حقيقية؟

لدينا مبانٍ يمكن أن تدر دخلاً على الولاية ومع ذلك تظل بعضها مغلقة أو مهملة معرضة للتآكل والانهيار وكأنها لا تمثل قيمة تاريخية واقتصادية.

لماذا لا تُطرح بعض هذه المنشآت للاستثمار وفق عطاءات قانونية وشفافة مع وضع شروط صارمة تحمي قيمتها التاريخية وهويتها؟

لماذا لا تتحول القرية التراثية إلى مساحة للحرف والصناعات التقليدية والفعاليات؟ ولماذا لا يصبح المتحف مركزاً حياً للتعريف بتاريخ السلطنة الزرقاء؟ ولماذا لا يكون قصر السلطان معلماً مفتوحاً أمام الزوار… ضمن مشروع سياحي متكامل؟

أنا على يقين بأن هذه المباني لو وجدت في ولاية أخرى.. لربما أصبحت واجهات استثمارية وسياحية تستقطب الزوار وتخلق فرص العمل.

فلماذا لا نفعل ذلك في سنار؟

المطلوب ليس بيع تاريخنا ولا تغيير هويتنا وإنما إدارة هذا الإرث بصورة تحميه وتستثمره.

سنار تملك أيضاً مقومات طبيعية وسياحية واسعة من جبل موية إلى محمية الدندر بما تزخر به من تنوع بيئي وحياة برية، فضلاً عن المواقع المرتبطة بالتاريخ والثقافة ومنها المناطق التي ارتبطت بسيرة الشيخ فرح ود تكتوك.

كما أن المساحات الواسعة بالولاية يمكن أن تفتح الباب أمام مشروعات سياحية واستثمارية توفر فرصاً للشباب وتخلق مصادر دخل جديدة وتدعم المجتمعات المحلية إذا ما استُغلت بصورة علمية ومدروسة مع المحافظة على البيئة والهوية المحلية.

ولا يمكن الحديث عن سنار دون الإشارة إلى جامعة سنار التي تمثل منارة للعلم والمعرفة ويمكن أن يكون لها دور أكبر في الدراسات والبحوث المتعلقة بالتاريخ والتراث والسياحة والبيئة والمساهمة في وضع رؤية علمية للنهوض بالقطاع السياحي والثقافي.

فالثقافة والسياحة كلاهما اقتصاد وهوية وقوة ناعمة يمكن أن تعيد تقديم سنار للسودان والعالم.

ولهذا… فإن المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة.

أيها المسؤولون في سنار ماذا فعلتم بهذه الثروة؟

وأهل سنار ماذا فعلنا نحن بتاريخنا؟

هل قدمنا هذه المباني إعلامياً؟

هل وثقناها تاريخياً؟

هل طرقنا أبواب الاستثمار من أجلها؟

هل صنعنا منها مشروعاً سياحياً وثقافياً يليق بقيمة سنار؟

لقد آن الأوان أن نتعامل مع تاريخنا باعتباره ثروة وليست ذكرى.. ومع مبانينا التاريخية والثقافية باعتبارها استثماراً للمستقبل وليست عبئاً من الماضي.

وإذا كان هناك من بدأ الطريق مثل تجربة مركز سنار للحوار والتنوع الثقافي فالمطلوب ألا نترك أصحاب المبادرات يعملون وحدهم بل أن تتكامل الجهود حتى يتحول النجاح الفردي إلى مشروع مؤسسي مستدام.

فهل نمنح سنار فرصة؟

فرصة لأن تقول للعالم:

هنا بدأت حكاية السلطنة الزرقاء وهنا ما زال التاريخ حياً وهنا يمكن أن يبدأ المستقبل أيضاً.

سنار لا تحتاج إلى أن نبحث لها عن تاريخ… فهي تملك التاريخ. ما تحتاجه فقط أن نحسن تقديمه وحمايته واستثماره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى