أبوذر عوض الكريم أحمد يكتب : الدولار ليس بريئاً

هوامش السيادة
الدولار في السودان لم يعد عملة أجنبية فحسب. صار شخصية عامة لها حضورها اليومي، تدخل السوق قبل التاجر، وتجلس مع صاحب المخبز، وتشارك الصيدلي حساباته، وتطل من شاشة الهاتف لتخبر المواطن أن راتبه الذي استلمه بالأمس قد فقد جزءاً آخر من وزنه اليوم.
ولك أن تتخيل!
لكن الدولار، مع كل هذه الشهرة، ليس هو المتهم الوحيد. بل ربما يكون أكثر المتهمين براءة في هذه القضية.
فالعملة الأجنبية لا تصنع الأزمة من تلقاء نفسها، وإنما تظهر حيث توجد أزمة أكبر منها: إنتاج يتراجع، إيرادات تضيق، إنفاق يتسع، ثقة تتآكل، ونقود تزداد في السوق بينما السلع تتراجع على الرفوف.
ولهذا فإن مطاردة الدولار في السوق الموازي وحدها تشبه مطاردة الدخان وترك الحريق.
ولدينا في التاريخ الاقتصادي القريب نماذج تقول لنا إن العملة لا تسقط وحدها، وإنما تسقط معها أشياء كثيرة كانت تقف خلفها.
زيمبابوي واحدة من أكثر التجارب وضوحاً. لم تستيقظ البلاد ذات صباح لتجد أن عملتها قررت الانهيار. سبقت ذلك اختلالات مالية وإنتاجية واسعة، وتراجع في الإيرادات، وتمويل متزايد للعجز عبر البنك المركزي، حتى أصبحت كمية النقود في الاقتصاد أكبر كثيراً من قدرة الاقتصاد الحقيقي على إنتاج السلع والخدمات.
ثم انفلتت الأسعار، وبلغ التضخم في زيمبابوي خلال 2008 مستويات تاريخية، وانتهى الأمر بانهيار العملة المحلية عملياً واعتماد العملات الأجنبية في المعاملات.
السودان ليس زيمبابوي، ولا ينبغي تحويل التاريخ الاقتصادي إلى نشرة رعب. لكن الحكمة ليست في أن نقول: نحن مختلفون. الحكمة أن نسأل: هل توجد لدينا بعض الآليات التي تستحق المعالجة قبل أن تكبر؟
الأرقام السودانية تقول إن الاقتصاد دفع ثمناً باهظاً للحرب. فقد انكمش الناتج بصورة حادة خلال 2023 و2024، ثم سجل نمواً محدوداً في 2025 من قاعدة منخفضة للغاية. وفي الوقت نفسه تراجعت الإيرادات الحكومية إلى مستويات شديدة الانخفاض، بينما ظل الإنفاق والاحتياج إلى التمويل مرتفعين.
وهنا يبدأ الجنيه في البحث عن مخرج.
فالدولة التي تنتج أقل وتحتاج إلى إنفاق أكثر، لا تستطيع أن تخدع الحسابات إلى الأبد. والاقتصاد لا يعرف المجاملة.
إذا نقص الإنتاج وزادت النقود، ارتفعت الأسعار. وإذا تراجعت الصادرات وارتفع الطلب على الاستيراد، زاد الطلب على الدولار. وإذا اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، ظهر من يربح من الفجوة قبل أن يظهر من يربح من الإنتاج.
وهذه هي النقطة التي تستحق الوقوف عندها.
لأن السؤال ليس: لماذا يبيع فلان الدولار بسعر مرتفع؟ السؤال: لماذا صار شراء الدولار وبيعه أكثر إغراءً من فتح مصنع أو زراعة فدان أو إنشاء مشروع تصديري؟
هذه ليست مسألة أخلاقية فقط. إنها مسألة حوافز.
والاقتصاد الذي يعطي المضاربة عائداً أسرع من الإنتاج، سيجد الناس يتزاحمون على المضاربة، ثم نسألهم بعد ذلك: لماذا تركتم الإنتاج؟
يا أخي، السوق نفسه أجاب!
لكن هنا يأتي دور الدولة، وهنا تحديداً يجب ألا تكون الدولة متفرجة.
الأمن الاقتصادي ليس زينة مؤسسية توضع في واجهة الدولة ثم نطلب منه أن يتفرج على الجنيه وهو ينزف.
آن الأوان لإطلاق يد الأمن الاقتصادي في ملاحقة حيتان المضاربة، ومنحه كامل الصلاحيات والموارد التي يكفلها القانون، حتى لا يبقى تاجر العملة أكبر من المؤسسة المصرفية، ولا يصبح السوق الموازي أقوى من السوق الرسمي.
العملة الأجنبية مكانها الطبيعي هو الجهاز المصرفي والقنوات المالية المرخصة. أما تحويل الشارع إلى سوق مفتوحة للدولار، وجعل حفنة من المضاربين يحددون سعر السلع والخدمات، فذلك ليس اقتصاداً حراً، وإنما فوضى مالية تدفع فاتورتها ملايين الأسر.
وأقولها بلا مواربة: الحيتان الذين يثبت تورطهم في المضاربة غير المشروعة والتخريب الاقتصادي يجب أن يواجهوا أقسى العقوبات التي يقررها القانون، ولا ينبغي أن تكون العقوبة مجرد غرامة يستطيع صاحب الملايين دفعها ثم العودة إلى السوق في اليوم التالي.
وإذا كان القانون في ظل الظروف الاستثنائية والحرب يقرر، بعد محاكمة عادلة وثبوت الجريمة، عقوبات تصل إلى الإعدام في الجرائم الاقتصادية الجسيمة، فلا ينبغي أن تتردد الدولة في تطبيقها على من تنطبق عليه شروطها القانونية.
فالردع الحقيقي لا يكون بالشعارات.
تاجر العملة الذي يعرف أن أمواله قد تُصادر، وأن حريته مهددة، وأن القانون قد يصل به إلى أقصى العقوبة إذا ثبتت في حقه جريمة تستوجبها، سيعيد حساباته قبل أن يمد يده إلى الدولار.
والذين يشترون العملة للمضاربة سيتراجعون عندما يعرفون أن السوق الموازي لم يعد سوقاً بلا سقف، وأن الدولة لم تعد تراقب من بعيد.
الجيش يقاتل على الحدود وفي الجبهات دفاعاً عن الأرض، ومن العبث أن يظل الاقتصاد في الداخل بلا حراسة. هناك من يواجه الرصاص، وهناك من يواجه الجنيه بالمضاربة، وكلاهما يؤثر في صمود الدولة، وإن اختلفت البنادق.
لا يمكن أن يطلب من الجندي أن يحرس حدود البلاد، ثم نترك المضارب يحرس خزنة الدولار في السوق الموازي!
هذه معركة سيادة أيضاً.
ومن يريد حماية العملة فعليه أن يعيدها إلى مكانها الطبيعي: البنك، لا الرصيف؛ المصرف، لا السوق السوداء؛ القانون، لا السمسار.
ثم نأتي إلى الذهب.
السودان بلد غني بالذهب، لكن الذهب لا يكفي أن يخرج من باطن الأرض؛ المهم أن يصل إلى خزينة الدولة، أو يدخل النظام المصرفي، أو يتحول إلى احتياطي وصادرات وعملة أجنبية يستفيد منها الاقتصاد.
وفي 2025 أُعلن إنتاج نحو 70 طناً، مقابل صادرات رسمية أقل بكثير من هذا الرقم. وهذه الفجوة، مع اختلافات القياس والتقدير، تستحق تحقيقاً مؤسسياً لا خطبة عاطفية: أين يذهب الجزء الذي لا يظهر في القنوات الرسمية؟
لأن الذهب إذا خرج من الدورة الرسمية، لا يختفي. هو فقط يذهب إلى دورة أخرى.
وغالباً إلى الدورة التي يكون فيها الدولار أكثر لمعاناً من الجنيه.
وهنا تتضح خطورة السوق الموازي.
هو لا يبيع الدولار فقط. إنه يعيد تسعير الاقتصاد كله.
التاجر يراقبه، والمستورد يراقبه، وصاحب السلعة يراقبه، والمستهلك يدفع فاتورته، بينما الجنيه يقف في آخر الصف يسأل: وأنا مالي؟
بل إن أخطر ما في الفجوة بين السعر الرسمي والموازي أنها تخلق ريعاً لا علاقة له بالإنتاج.
من يحصل على الدولار بسعر مدعوم ثم يبيعه في سوق أعلى، لا يكون قد بنى مصنعاً، ولا شغّل عاملاً، ولا زرع حقلاً. لقد اشترى الفرق فقط.
والفرق، في اقتصاد مأزوم، يمكن أن يكون أكثر ربحاً من المصنع.
وهنا يصبح الاقتصاد أمام مفارقة مؤلمة: من يعمل أكثر قد لا يكسب أكثر، ومن يعرف الطريق إلى الفجوة قد يكسب في يوم ما يحتاج المنتج إلى شهور لتحقيقه.
وهذه وصفة لا تشجع الاقتصاد الحقيقي.
ثم لا تسألوا بعد ذلك: لماذا هرب رأس المال؟
رأس المال لا يحب أن يكون بطلاً في رواية حزينة.
إذا وجد الأمان والعائد والوضوح في الخارج، فسيميل إلى الخارج. ومعه تخرج الشركات والوظائف والخبرات والضرائب، ولا يعود الضرر مجرد رقم في حساب مصرفي.
الحرب تترك وراءها فاتورة طويلة، لكن أخطر الفواتير تلك التي لا تظهر في اليوم الأول.
شركة أغلقت، مستثمر غادر، مصنع توقف، مزارع فقد سوقه، مصدر فقد قدرته على المنافسة، ومصرف فقد الثقة.
كل واحدة من هذه ليست خبراً منفرداً. كلها جملة واحدة عنوانها: اقتصاد يفقد قدرته على إنتاج الثروة.
ومن هنا تصبح قضية الجنيه قضية سيادة.
السيادة ليست علماً مرفوعاً وخطاباً سياسياً فقط. السيادة أن تعرف الدولة مواردها، وتحصّل إيراداتها، وتحمي صادراتها، وتضبط سوقها، وتعرف من يملك الدولار ومن يشتري الذهب ومن يخرج المال إلى الخارج.
والدولة التي لا تعرف طريق مواردها، ستجد نفسها في النهاية تبحث عن الدولار في السوق الموازي، بينما مواردها نفسها تبحث عن طريق آخر.
لذلك لا أعتقد أن علاج الجنيه يبدأ بمطاردة الدولار كل صباح.
الدولار لا يركض. نحن الذين نركض خلفه!
العلاج يبدأ من الإنتاج، ومن الزراعة، ومن الصادرات، ومن الذهب، ومن إصلاح النظام المصرفي، ومن ضبط المالية العامة، ومن جعل الاستثمار والإنتاج أكثر ربحاً وأماناً من المضاربة والتهريب.
والأمن الاقتصادي جزء أصيل من هذا العلاج، لا ملحق إداري على هامش الأزمة.
فإذا كان القانون يملك أدوات الردع، فلتستخدم كاملة. وإذا كانت الدولة تملك أجهزة لحماية اقتصادها، فلتمنحها الغطاء والصلاحيات والموارد التي تمكنها من أداء مهمتها بلا تردد، مع احترام الإجراءات والضمانات القانونية.
نريد سوقاً يعرف فيه التاجر أن الربح من الإنتاج مشروع، وأن التلاعب بالعملة ليس بطولة، وأن قوت المواطن ليس سلعة للمقامرة، وأن الحرب ليست موسماً ذهبياً لأصحاب الجيوب الباردة.
فالجندي الذي يحرس الحدود يستحق اقتصاداً يحرسه في الداخل.
والدولة التي تطلب من مواطنها الصبر على الحرب، مطالبة في المقابل بأن تحميه من الذين يريدون تحويل هذا الصبر إلى أرباح شخصية.
يمكنك أن تطبع الجنيه، لكنك لا تستطيع طباعة الثقة. ويمكنك أن تحدد سعراً رسمياً، لكنك لا تستطيع إصدار قرار يجعل السوق يصدقه. ويمكنك أن تمنع الدولار من نافذة، لكنه سيظهر لك من الباب الآخر إذا بقيت أسباب الطلب عليه كما هي.
لهذا فإن معركة الجنيه ليست مع الدولار.
معركته مع الاقتصاد الذي يقف خلفه.
إذا عاد الإنتاج، وجاءت الصادرات، ودخل الذهب إلى الدورة الرسمية، واستقرت المالية العامة، واستعاد الناس ثقتهم في المصارف والجنيه، سيبدأ الدولار في فقدان جزء من سلطته.
أما إذا ظل الإنتاج ضعيفاً، والإنفاق أكبر من الإيرادات، والنقود أسرع من السلع، والفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية مفتوحة، فلا فائدة من شتم الدولار.
الدولار في هذه الحالة لا يفعل أكثر من قراءة النشرة الطبية بصوت مرتفع.
والمصيبة ليست في النشرة.
المصيبة في المرض.
لذلك، دعونا نكف عن معاملة الدولار باعتباره سبب كل مصائبنا. هو ليس سبب الحكاية. هو أكثر من يعرف تفاصيلها.
والجنيه لا يحتاج إلى خطبة دفاعية. يحتاج إلى اقتصاد يقف خلفه.
فإذا وقف الاقتصاد، وقف الجنيه.
وإذا ظل الاقتصاد جالساً، فلا تسألوا لماذا صار الدولار واقفاً فوق رأسه!
*وهذه من هوامش السيادة:*
الدولة التي تريد عملة قوية، لا تبدأ برفع صوتها على الدولار؛ تبدأ برفع إنتاجها، وحماية مواردها، وإغلاق الأبواب التي يدخل منها الفساد ويخرج منها الاقتصاد.
فالعملة في النهاية ليست ورقة. إنها ثقة مكتوبة بالحبر.
وإذا جفّ حبر الثقة، فلن تنفع كل المطابع.



