بنك الخرطوم يوفر مليار دولار.. شكر مستحق وتحذير واجب

بقلم/ د. عبد العزيز الزبير باشا

نبدأ بالشكر المستحق.

ما قامت به إدارة بنك الخرطوم بقيادة الأستاذة لمياء ساتي من توفير مليار دولار من مصادر خارجية كتمويل دائري لاستيراد السلع الاستراتيجية، وما وفرته من أكثر من ملياري دولار في الشهور الأولى للحرب، هو عمل وطني كبير يستحق الإشادة.

 

في وقت تسعى فيه الدولة عن توفير ما يلزم من العملة الحرة ، تقدم بنك وطني ليحمي الجنيه ويؤمن قوت الناس ودواءهم. هذا هو معنى المؤسسة الوطنية التي تسند الدولة في وقت الحرب. فتحية لبنك الخرطوم ولكل العاملين فيه، وتحية لتطبيق “بنكك” الذي أصبح هو شريان الاقتصاد السوداني.

 

ولكن.. وهنا يبدأ التحليل الرصين الذي يجب أن يسمعه بنك السودان المركزي وفخامة الرئيس.

 

*الشكر لا يلغي التحذير الاستراتيجي.*

 

الوضع الحالي مقلوب وخطير:

 

*المفروض أن البنك المركزي هو من يسند البنوك التجارية، وليس أن بنكاً تجارياً هو من يسند البنك المركزي.*

 

عندما يصبح بنك تجاري واحد هو الممول الوحيد للاستيراد الاستراتيجي، وهو من يملك 80% من السيولة عبر تطبيق بنكك، نحن أمام ثلاث مخاطر يجب على بنك السودان المركزي أن يتخذ تدابيره اللازمة فوراً حيالها:

 

*الخطر الأول: خطر التركز المصرفي.. دولة داخل الدولة*

 

عندما يحتكر بنك واحد توفير العملة الصعبة، فهو يتحول عملياً إلى بنك مركزي موازي. هو من يقرر من يستورد، ومتى، وبكم. إذا تعثر هذا البنك لأي سبب خارجي، ينهار الاقتصاد كله في ساعة. هذا ما يسمى في علم الاقتصاد بالخطر النظامي. لا يجوز لدولة أن تضع اقتصادها كله في سلة بنك واحد، مهما كانت وطنيته.

 

*الخطر الثاني: التمويل الدائري ليس احتياطياً*

 

المليار المعلن هو “تمويل دائري من مراسلين خارجيين” وليس احتياطياً مملوكاً للدولة. يعني دين يجب سداده بالدولار. السؤال الذي يجب أن يجيب عليه بنك السودان: بماذا سنسدد هذا التمويل؟ إذا لم يكن لدينا حصائل صادر حقيقية من ذهب ومنتجات، سنحول ديناً خاصاً إلى دين عام يثقل كاهل الدولة، كما حدث في تجارب دول أخرى.

 

*الخطر الثالث: غياب الرقابة والعدالة بين البنوك*

 

من يضمن أن هذا المليار سيذهب للقمح والدواء والوقود وليس لسلع كمالية تحقق ربحاً أعلى للبنك؟ ومن يضمن عدالة التوزيع بين المستوردين؟

وهنا يأتي دور بنك السودان المركزي الحقيقي . يجب على المركزي فوراً:

 

1. إصدار ضوابط ملزمة تحدد قائمة السلع الاستراتيجية فقط التي يمولها هذا المليار.

2. إلزام بنك الخرطوم بنشر كشف يومي شفاف للمستوردين والمبالغ الممنوحة.

3. فتح نفس الميزة لبقية البنوك الوطنية (أم درمان، فيصل، وغيرها) حتى لا نقتل المنافسة ونخلق احتكاراً.

 

*ما المطلوب من بنك السودان المركزي الآن؟*

 

لا نريد أن يكون المركزي متفرجاً يشكر بنك الخرطوم. نريد أن يكون قائداً:

 

*1. استعادة دوره السيادي:* شراء ذهب السودان بسعر السوق الموازي كما طالبنا فخامة الرئيس، لبناء احتياطي حقيقي مملوك للدولة، لا بالاعتماد على تسهيلات بنك خاص.

 

*2. تفعيل أدواته الرقابية:* تفعيل قانون الطوارئ الاقتصادية وصلاحيات النيابة الاقتصادية لمراقبة استخدام هذا المليار.

 

*3. حماية هذا الإنجاز:* إصدار مرسوم يعتبر المضاربة بالدولار بعد توفير هذا المبلغ جريمة حرب، وتقديم المضاربين لمحاكم ناجزة في أسرع وقت ممكن .

 

الخلاصة:

 

نشكر بنك الخرطوم بصدق، فقد أثبت أن القطاع الخاص الوطني قادر على إنقاذ ما عجزت عنه الحكومة التنفيذية.

 

لكنه قدم لنا مسكناً قوياً، وليس علاجاً جذرياً.

 

العلاج الجذري يبقى هو ما نادينا به في نداء حكومة الحرب الرشيقة: حكومة أزمة إنتاجية تعيد للبنك المركزي هيبته عبر إسناده وشراء الذهب بسعر عادل وإلغاء العملة المنهوبة.

 

مليار بنك الخرطوم فرصة تاريخية لكسر ظهر السوق الأسود.. فهل يحميها البنك المركزي بالقرار والقانون، أم يتركها لتذهب كما ذهبت المليارات من قبل؟

 

إنهاء التمرد يحتاج رصاصاً في الميدان ودولاراً منضبطاً في البنك.

 

وطن و مؤسسات…

السودان أولاً وأخيراً…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى