الباحث في الشأن الأفريقي دكتور محمد عبدالكريم لـ«العودة»:

الموقف المصري السعودي تجاه السودان يشهد تحولات مهمة
التنسيق المصري السعودي بشأن السودان مرشح لمزيد من الحضور
احترام سيادة السودان ووحدة مؤسساته يتصدران التحرك الإقليمي
عودة السودان إلى «الإيغاد» تضع المنظمة أمام اختبار احترام السيادة
الحوار السوداني- السوداني يحتاج ضوابط واضحة ولا يتعارض مع جهود وقف إطلاق النار
الآلية الخماسية قد تتيح مساراً أكثر قدرة على تحقيق تسوية سلمية
العودة البريطانية للواجهة السياسية محاولة للنأي عن انتقادات دولية بشأن عبور مرتزقة إلى السودان
قال الباحث في الشأن الأفريقي د. محمد عبدالكريم إن الموقف المصري السعودي تجاه الأزمة السودانية يشهد تحولاً مهماً، في ظل تأكيد البلدين على وحدة السودان وسيادته واحترام مؤسساته الوطنية. وتناول عبدالكريم خلال حديثه لبرنامج قراءة أخرى على منصة«العودة» دلالات الموقف المصري السعودي، ومستقبل التنسيق بشأن السودان، إلى جانب عودة الخرطوم إلى «الإيغاد»، والحوار السوداني-السوداني، ودور الآلية الخماسية، وتداعيات نقص تمويل المساعدات الإنسانية.
حوار: أفراح تاج الختم
-ما دلالة تأكيد مصر والسعودية، في هذا التوقيت، على عدم المساس بوحدة السودان والتأكيد على وحدة مؤسساته الوطنية؟
التوقيت مهم للغاية، إذ تأتي زيارة ولي العهد السعودي في ظل أزمة مستحكمة بالمنطقة والبحر الأحمر. والبيان الصادر عن قمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي أكد الحفاظ على وحدة السودان وسيادة أراضيه واحترام المؤسسات القائمة.
ويُعد ذلك تطوراً مهماً، خاصة من جانب الرياض، إذ يعني اعتبار المؤسسات الشرعية في السودان هي المؤسسات الوطنية، وضرورة عدم التعامل مع ميليشيا الدعم السريع كطرف مساوٍ في الشرعية لهذه المؤسسات.
-هل يمكن أن يكون هناك تحرك سياسي أو دبلوماسي متوقع في ضوء هذه الزيارة؟
هناك توقع بنشاط سعودي مصري ملموس، يُضاف إليه تأكيدات الرئيس السيسي في قمة بريكس بأن أمن السودان ووحدته خط أحمر. وهذا يوضح وجود تنسيق مصري سعودي كبير في المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الثنائي أو ضمن ديناميات اللجنة الخماسية المعنية بالأزمة.
– يرى البعض أن هناك تغيراً في موقف المملكة العربية السعودية تجاه الأزمة السودانية مؤخراً، كيف تقرأ هذا التغير؟
في بداية منبر جدة، كان التعامل مع الجيش ومجلس السيادة كطرف، ومليشيا الدعم السريع كطرف آخر مساوٍ في المسؤولية. أما التغير الحالي، وتأكيد الأمير محمد بن سلمان على احترام المؤسسات الشرعية، فيعكس تحولاً مهماً في الموقف السعودي، وله ما بعده في ظل التقاطعات والاختلافات الإقليمية القائمة.
-هل نتوقع تنسيقاً مصرياً سعودياً أكبر خلال الفترة المقبلة؟
على الرغم من أن الزيارة ركزت بشكل أساسي على العلاقات الثنائية والملف اليمني، ولم تخرج مؤشرات محددة لعمل مشترك متبلور، فإن التوقعات والضرورة الأمنية لكلتا الدولتين تشير إلى أهمية تعزيز هذا التنسيق.
التحرك الأممي والدور الإقليمي
– شهدت القاهرة زيارة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان بيكا هافيستو، ما أهمية التنسيق بين مصر والمبعوث الأممي في هذا التوقيت؟
جاءت هذه الزيارة عقب زيارته للخرطوم ولقاءاته ممثلين عن القوى السياسية ومجلس السيادة لتهيئة الأجواء لإطلاق حوار سياسي سوداني-سوداني. كما أن لقاءات المبعوث بيكا هافيستو في القاهرة مع جامعة الدول العربية والمسؤولين والخبراء المصريين تؤكد الحرص على استيعاب الرؤية المصرية الواقعية التي تدرك أهمية عدم المساس بوحدة السودان.
– كيف يمكن تحقيق التوازن بين احترام سيادة السودان والحاجة إلى دور إقليمي ودولي؟
هذه مسألة صعبة، لكن السودان يستفيد حالياً من حالة الاضطراب الإقليمي والضغوط التي جعلت بعض الأطراف تتراجع عن تدخلها السلبي. ويمكن إحداث التوازن عبر تلقي الدعم المالي والإنساني الإقليمي، كالدور السعودي المتوقع لتغطية نقص التمويل، إلى جانب الدور الأوروبي الراغب في الحد من مخاطر الهجرة والجريمة المنظمة عبر المتوسط.
عودة السودان إلى “الإيغاد”
عاد السودان إلى منظمة «الإيغاد» وشارك في اجتماعات وزراء الخارجية بجيبوتي، ماذا تريد الخرطوم من المنظمة في هذه المرحلة؟
الخرطوم تريد الحد الأدنى من نزاهة العمل الإقليمي، والتزام الدول الأعضاء بمبادئ احترام الحدود والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتوقف عن تقديم الدعم اللوجستي أو العسكري أو السياسي والملاذات الآمنة لميليشيا الدعم السريع.
كيف يمكن لـ«الإيغاد» أن تدعم الحل في السودان في ظل رفض الخرطوم للتدخلات الخارجية؟
ينبغي التركيز على العمل التنموي والتعاون بين الحكومات، مثل الاتفاق على ضبط عمليات التهريب عبر الحدود، ومشاركة «الإيغاد» في آليات إيصال المساعدات الإنسانية وضمان عدم استغلال الممرات في تهريب السلاح.
التحرك البريطاني وأدوار القوى الدولية
-التقى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بالمبعوث البريطاني إلى السودان، هل من جديد تحمله هذه الزيارة؟
عودة بريطانيا للعب دور إلى جانب الاتحاد الأوروبي تأتي بعد تقارير دولية وأممية وجهت انتقادات لبريطانيا حول عبور عناصر مرتزقة، وبالتالي تسعى بريطانيا للنأي بنفسها وتعزيز الانخراط السياسي، إلى جانب إمكانية لعب دور في تيسير الحوار.
-لكن بريطانيا تقول إنها تدعو إلى حوار سوداني، وتؤكد أن الأولوية الآن لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية تجمع السودانيين.
بريطانيا تملك خبرة بالشأن السوداني وأدوات للضغط والتيسير، وقد تكون قراءتها للتطورات الميدانية لصالح الجيش هي ما يدفعها للوقوف بجانب العملية السياسية المتوقع بدء مسارها قريباً.
الحوار السوداني-السوداني
-هناك لجنة لتهيئة الحوار السوداني-السوداني بدأت أعمالها بدعوة المجموعات السياسية والمجتمعية للتشاور، كيف تقرأ هذا الحوار؟
خطوة تدعو للتفاؤل، لكونها لجنة تكنوقراط تقوم بعمل إداري وتقني لطرق أبواب القوى السياسية والمجتمعية، وتتزامن مع تعهدات القيادة بالالتزام بمخرجات حوار شامل وشفاف، لا يستثني إلا من تورط في جرائم حرب وأعمال عنف ضد المواطنين.
– بين مؤيد ومعارض للحوار، هل ترى أن القوى السياسية تملك القدرة على إنتاج حوار يعالج جذور الأزمة؟
التجربة السودانية غنية بالتنوع السياسي والثقافي، وهناك شخصيات وكوادر وطنية متزنة لم تتورط في الحرب، ويمكنها وضع أجندة وبناء توافق سياسي إذا ما تم وضع ضوابط واضحة للمشاركة واستبعاد المتورطين في انتهاكات.
-لكن هناك قوى رافضة لفكرة الحوار، وترى أن الحكومة الحالية لا تملك الشرعية للدعوة إليه، وأن الأولوية الآن هي لوقف إطلاق النار ودخول المساعدات.
هذا خلط للأمور؛ فلا يوجد تعارض بين بدء الحوار والعمل على وقف إطلاق النار.
الرفض المبكر، وقبل وضع الأجندة، يُعد تكتيكاً سياسياً. ومجلس السيادة أبدى مراراً قبوله لوقف إطلاق النار بشروط ومحددات تضمن عدم استغلال الممرات وتسليم السلاح.
ماذا عن الجهات الدولية الداعمة للحل السلمي، كالآلية الخماسية التي تجد قبولاً من الحكومة والمعارضة؟
تركيز العمل عبر الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي و«الإيغاد» والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، يقلل من الاستقطاب الحاد الذي شهدته التفاهمات السابقة، ويضمن قدرة أكبر على تحقيق تسوية سلمية.
الملف الإنساني ونقص التمويل
حذرت المنظمة الدولية للهجرة من احتمال انهيار النظام الإنساني في السودان خلال أسابيع، كيف تقرأ ذلك؟
التحذير خطير للغاية، والسودان يواجه أكبر أزمة إنسانية عالمياً، بأرقام تتجاوز عشرات الملايين المحتاجين إلى المساعدات.
وصل رقم المحتاجين لمساعدات إنسانية “25 “مليون نسمة وفي العام “2023-2024 ”
بعد أن كان الرقم “13” مليون نسمة
ما المعالجات الممكنة مع نقص التمويل للمنظمات الأممية؟
إذا جَدّت الآلية الخماسية والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية في التعاطي مع الملف، فإن الالتزام بفتح مسار سياسي سيشجع على تقديم الدعم المالي والتنموي لتفادي الكارثة التي تؤثر مباشرة على أمن المنطقة والإقليم.




