رفع الدولار الجمركي عقاب مزدوج للمواطن

(متابعات و إشارات)
بقلم/ د. مجدي الفكي
كما العادة استيقظ الجميع على وقع قرار رفع الدولار الجمركي بنسبة تتجاوز 27%
في صمت ودون مؤتمر صحفي يوضح الأسباب..
الدولار الجمركي قفز من 3.743 جنيه الى 5.631 جنيه ( دفعه واحده) و بمعدل زيادة يقترب من 28% ..
في السوق هذا القرار يعتبر ضربة (قاضية) للمواطن ينعكس أثره في ثمن (صحن الفول) وفي علبة الدواء وفي جالون البنزين و انبوبة الغاز والمواد الغذائية وفي كل سلع الحد أدنى للمعيشة
(الدولار الجمركي) هو سعر الدولار الذي تحتسب به الدولة جمارك البضائع المستوردة و ورفعه يعني أن أي سلعة مستوردة ستدخل بتكلفة جمركية أعلى بنسبة تفوق 27% مما هو عليه وفقا لأخر قرار . و يحدث ذلك بصورة فورية بل وقبل أن تصل السلعة إلى تاجر (التجزئة) ..
لماذا حدث هذا الآن؟ دعونا يا سادة نتناول الأسباب المحتملة وغير المحتملة
فكما اعتدنا (دايما) الحكومة فى حالة بحث عن (المال السهل) بصورة مستمرة ..
البلاد في حالة حرب .. توقفت عائدات النفط والذهب (الرسمي) .. وتوقفت الضرائب في مناطق واسعة .. أسهل حل أمام وزارة المالية لسد العجز ليس زيادة الإنتاج (بل) هو زيادة (الجباية) من المنفذ الوحيد المتبقي الميناء والجمارك حسب الهوى..
(الوهم) الذى ظل يسيطر على أهل الشأن هو توحيد سعر الصرف.. يتذرعون بأنهم يريدون ضبط وتوحيد سعر الصرف أو مساواة الدولار الجمركي مع سعر السوق الموازي تنفيذاً لروشتة صندوق النقد الدولي (المحفوظة صم) علما بأن المعالجة الحقيقية تكون في زمن استقرار الاقتصاد لا في عز انهياره أو تدهوره .. هذا الوضع يجعلنا فى ملاحقة للسوق السوداء وبالتالي إلحاق الاذى (الفادح) بالمواطن والدفع به إلى الهاوية ..
اما تغطية عجز الموازنة على حساب المواطن نجده حاضر بقوة (كبديل) لترشيد الإنفاق الحكومي والسفريات والعلاج بالخارج (اللحم الحى) ..
اللجوء إلى الحل (الأسهل) و ليس الامثل بتحميل وزر عجز الموازنة إلى جيب المواطن . فكل زيادة 1% في الدولار الجمركي تتحول إلى 1.5% زيادة في السعر النهائي بسبب تراكم تكاليف النقل والترحيل وأرباح الوسطاء ناس (عودى و عودك) ..
القرار في الواقع الذى نعيشه لا يعني أن أسعار الكماليات وحدها سترتفع هذه كذبة كبيرة نحن في السودان نهوى استيراد كل شيء .. 80% من مدخلات الدواء مستوردة سيرتفع سعره فوراً..
مدخلات الإنتاج من أسمدة و مبيدات و قطع غيار حتى جوالات (الخيش) لتعبئة المحاصيل كلها مستوردة السلع الغذائية الأساسية التي فشلنا في توطينها بسبب قرارات مثل (حظر الفول المصري) سنستوردها الآن بجمارك أعلى ..
والنتيجة التي رأيناها في الاسواق ستتكرر بصورة أوسع.. ارتفاع جنوني وركود .. ثم كساد ..
رفع الدولار الجمركي في هذا التوقيت هو عقاب مزدوج للمواطن أولاً بحرمانه من السلع الرخيصة مثل الفول المصري بحجة حماية المنتج المحلي و ثانياً برفع جمارك البديل المستورد!
هذا القرار يكشف نفس (الخلل الادارى) الذي تحدثنا عنه من قبل ..
فلا دراسة أثر .. هل درست وزارة المالية أثر القرار على معدل التضخم الذي يتجاوز 200% أصلاً؟ هل درست أثره على التهريب؟ فعندما ترفع الجمارك بهذا الشكل ينشط التهريب عبر الحدود بدلاً من الاستيراد الرسمي و هذا فى حد ذاته يؤثر على عائدات الجمارك ..
وفقا للظروف التى تعيشها البلاد كنا نتوقع رفع الدولار الجمركي تدريجياً 3% أو 5% مع إعلان مسبق. أما القفز بنسبة (خرافية) دفعة واحدة فهو صدمة للسوق تقتل ما تبقى من ثقة.
لم يصاحب القرار أي حزمة حماية اجتماعية لا رفع للأجور لا دعم للسلع لا إعفاء للسلع الأساسية (قرار حاف )..
ندعو مجلس السيادة الموقر التدخل لحماية المواطن و
إلغاء الزيادة فوراً واستبدالها بخيارات أخرى بعيدا عنه ..
كما نتمنى استثناء السلع الاستراتيجية ..
الدواء و مدخلات الزراعة والمواد الغذائية الأساسية من اى زيادة.
و توضيح إلى أين سيذهب عائد هذه الزيادة؟ هل للتعليم والصحة أم هناك التزامات و استحقاقتات أخرى لا يجب معرفتها؟ ..
إن الاستمرار في سياسة (الجباية) بهذه الطريقة دون إنتاج يصبح كمن ذبح بقرة كان يستفيد من حليبها .. المواطن المغلوب على أمره لم يعد يحتمل أن يكون هو الموازنة الاحتياطية للدولة كلما فشلت في إدارة مواردها ..
الله المستعان و عليه التكلان.



