علم الدين عمر يكتب : أكتوبر.. من إرث العظماء إلى مرارة الإنكسار!!..

حاجب الدهشة
يستعيد السودانيون اليوم الذكرى الثانية والستين لثورة أكتوبر بالأَسى ومُر الذكريات.. وبأسئلة موجعة عن وطن كان يوماً معلماً في صناعة الثورات وأنتفاضة الشعوب.. ثم انتهى به الحال إلى هذا التقهقر الشامل.. (وتطالعون على صفحات «العودة» اليوم ملفاً متكاملاً عنها).. الثورة التي لم تكن حدثاً سياسياً عارضاً في تاريخ السودان.. بل علامة فارقة في إرثه السياسي والمجتمعي والثقافي والإبداعي..وواحدة من المحطات التي تركت بصمتها في الوجدان الإنساني الشامل..
تفجر الفعل الثوري في تلك السنوات الخضراء.. والسودان يتلمس خُطى الاستقلال في عتباته الأولى.. فيما كانت أفريقيا بأسرها تتنسم عبير حريتها الممهورة بعرق ودماء العظماء..
كان السودان.. بلا منازع.. في مقدمة المشهد.. يقدم نموذجاً وطنياً ملهماً في مقاومة الإستبداد وصناعة التغيير.. ويؤكد أن الشعوب قادرة على انتزاع حريتها حين تتوحد إرادتها وتلتقي كلمتها على مشروع وطني جامع.. وحقيقي..
لم تكن عظمة أكتوبر في إسقاط النظام..فهذا فعل إستجاب له النظام نفسه مجنباً شعبه الدماء.. والموت المجاني.. عظمة اكتوبر كانت في قدرتها على إنتاج رؤية وطنية شاملة.. شارك في صياغتها أطياف المجتمع وقواه السياسية والفكرية.. وحتى أولئك الذين استهدفتهم الثورة وانقلبت عليهم.. كان ثمة وطن يتسع للجميع.. وحياة سياسية تملك القدرة على استيعاب التناقضات.. وإرادة عامة تعرف كيف تضع مصلحة البلاد فوق حسابات الأفراد والجماعات..
أين نحن اليوم من أكتوبر؟ وماذا فعلنا بإرثها؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يطاردنا في هذه الذكرى.. كيف تسربت السانحة الوطنية الأولى من بين أيدينا..حتى بلغنا هذا الدرك من الانقسام والاقتتال والتمزق؟ وكيف انتقلنا من بلد كان يعلم الآخرين دروس الثورة والوعي.. إلى وطن تتنازعه الحروب.. وتُستنزف مقدراته.. ويُدفع أبناؤه إلى المنافي ومحطات النزوح واللجوء؟..
لقد كانت أكتوبر أكبر من مجرد مظاهرة.. وأعمق من هتاف وأبقى من لحظة انتصار سياسي.. كانت مشروعاً للوعي.. ومدرسة في الوطنية.. وذاكرة حية تؤكد أن التغيير لا تكتمل قيمته بإسقاط نظام..بل بما يؤسسه من دولة ومؤسسات ووعي ومسؤولية..
لذلك لم تكن أكتوبر ثورة السياسة وحدها.. فقد كانت ثورة الثقافة والفنون والآداب.. انفجر في فضائها إبداع ظل حاضراً في الذاكرة السودانية جيلاً بعد جيل..أطلق محمد المكي إبراهيم إكتوبرياته الباذخة.. باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني فغدت الكلمات نشيداً لوطن يتطلع إلى المستقبل والحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمني.. وكتب الفيتوري إلياذته الخالدة أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق.. فيما وثق هاشم صديق في ملحمته الشعرية اشتعال الدنيا ثورة.. لتتحول أكتوبر إلى نص مفتوح تتوارثه الأجيال..
وعلى المنابر.. أشعل محمد وردي ومحمد الأمين وعبد الكريم الكابلي فضاء الوطن إبداعاً وفكراً وتداعياً وجدانياً.. فكانت الأغنية موقفاً..والكلمة سلاحاً..والفن شريكاً أصيلاً في صناعة الوعي.. وفي المسرح والآداب والرياضة.. تمدد أثر أكتوبر.. حتى بدت وكأنها لحظة وطنية شاملة.. لم تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وأودعت فيه شيئاً من روحها..
كيف أنحدرنا من سر الختم الخليفة وكلمنت أمبورو ومحمد أحمد المحجوب ومبارك زروق وأحمد السيد حمد إلى زمن سلك وجرادل ومنقة؟؟!!
وما الذي تبقى من أكتوبر غير استدعاء الذكريات ومناحات ديسمبر 2019؟.. وكيف انتهى بنا الحال إلى مشهد اختلطت فيه الشعارات بالمصالح.. واختُطفت فيه أحلام الثورة.. لحسابات قوى لم تستطع أن تصون ما رفعته من شعارات.. ولا أن تحول التضحيات إلى مشروع دولة مستقرة؟.ظ
لقد كان عهد إكتوبر بما مثله من رمزية سياسية ووطنية.. مختلفاً في طبيعة المسؤولية وفي صورة القيادة التي ارتبطت بذاكرة الثورة وفعل المقاومة..
نحن أمام مفارقة موجعة بين إرث العظماء وضجيج المشهد..وبين جيل صنع التاريخ وآخرين استهلكوا الشعارات.. ثم تركوا البلاد تتعثر في أزماتها..
إذا كانت أسماء مثل «دسيس مان» و«جردل مان» قد تصدرت بعض المشاهد الفنية والإعلامية في ديسمبر.. فإن المشكلة ليست في الفن أو في رموزه.. بل في اختزال الثورة في مظاهرها الاحتفالية.. وتهميش أسئلتها الكبرى عن الدولة والقيادة والمسؤولية والمصير الوطني..
إن أكتوبر لاينبغي اختزالها في قصائد الحنين ولا تكفي لاستعادتها الأغنيات التي أشعلت وجداننا يوماً ..إنها تضعنا أمام امتحان قاس.. هل تعلمنا من تاريخنا.. أم اكتفينا بترديد أناشيده؟ وهل نملك القدرة على استعادة المشروع الوطني الذي جمع السودانيين.. أم أننا سنظل أسرى انقساماتنا.. نبدد الفرص جيلاً بعد جيل؟..
في الذكرى الثانية والستين.. لا يكفي أن نمجد أكتوبر بقدر ما نحتاج إلى محاكمة أنفسنا أمام مرآتها..فقد كان السودان ذات يوم.. قادراً على أن يسبق عصره..وأن يقدم لأفريقيا والعالم درساً في الثورة والوعي..وما لم نستعد هذه الروح.. ونؤسس دولة تحمي الإنسان وتصون المؤسسات وتجمع السودانيين على مصلحة وطنهم.. فستظل أكتوبر صفحة مضيئة في كتاب التاريخ..وشاهداً موجعاً على وطن عرف طريق النهضة.. ثم أضاعه..



