الدولة تدخل امتحان إضراب المعلمين

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
والقول بضعف رواتب المعلمين أمام مطلوبات المعاش اليومي، وعدم تناسب الحد الأدنى للأجور المنفذ في هيكل رواتب وزارة التعليم والتربية الوطنية، يُعتبر من «نافلة» القول، وكذلك الحديث عن متأخرات استحقاقاتهم وتضاؤل قيمتها بسبب التضخم، سيظل من المعلوم بالضرورة لكل متابع لهذه الأزمة وتفاقمها بين الطرفين، المعلمين واللجنة من جهة، والوزارة من جهة، دون أن تتحرك عجلة الحلول قيد أنملة.
إضراب المعلمين المعلن الآن، وبغض النظر عن الدخول في تفاصيل نسبة نجاحه، إلا أنه من المؤكد أنه يضع الدولة السودانية أمام تحدي ما يتبقى من معنى الدولة حين تعجز عن تمويل التعليم، وتتعامل مع المعلم بوصفه عبئًا ماليًا ثقيلًا على موازنتها، وفي حالة اصطدام مع العام الدراسي في أسبوعه الأول بوصفه موعدًا يمكن تأجيله، ومع حقوق العاملين بوصفها مطالب قابلة للتسويف.
خبر الأسبوع هو أن لجنة المعلمين السودانيين أعلنت الإضراب الشامل يومي 21 و22 أكتوبر 2026م، ودفعت بجملة مطالب في بيانها الصادر بهذا الخصوص، في مقدمتها المطالبة بتحسين الأجور وانتظام صرف الرواتب وتسوية المتأخرات والبدلات، والشيء الذي يزيد هذا الإعلان صعوبة هو تزامن هذا التصعيد النقابي مع انطلاق العام الدراسي بولاية الخرطوم، لتنتقل الأزمة من أزمة معلم وحده إلى أزمة دولة ومؤسسات تعليمية ومجتمع يحاول استعادة حياته في ظل الحرب.
ونحن هنا لسنا بصدد إعادة السؤال عن لماذا لم تفِ الدولة بالتزاماتها التي قطعتها مع المعلمين، كما أننا لا نريد كتابة قائمة مطالب المعلمين مرة أخرى، لأن كل شيء معلوم بالنسبة للوزارة، ولا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد، فالمنشورات والقرارات المالية في بعض الولايات كانت قد صدرت بالفعل، إلا أن تعثر السداد والتنفيذ لا يزال مستمرًا دون أن تصبح الحقوق نافذة بالنسبة للمعلمين الذين يجدون أنفسهم مضطرين لعلاج «الكي»، يدفعهم إلى ذلك العجز الرسمي دفعًا.
نجاح الدولة في امتحان المسؤولية لا يُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بقدرتها على تحويل هذه القرارات إلى حقوق تصل إلى أصحابها، ومتى ما احتاج القرار إلى الدخول في إضراب كي يغادر الورق الرسمي إلى الواقع، فإن الأزمة أصبحت أزمة في آليات الحكم والإدارة، وليست مجرد أزمة رواتب واستحقاقات للمعلمين.
الإضراب المعلن حاليًا لا يُعتبر المواجهة الأولى بين المعلمين والوزارة، فلطالما كان المعلمون معرضين للابتزاز بالالتزام الأخلاقي في مهنتهم الرسالية تجاه التلاميذ، في مقابل مطالبتهم بالصبر والتنازل عن حقوقهم الأساسية، دون الإشارة للحكومة والوزارة كطرف مسؤول بالأساس عن هذه الأزمة المتكررة. ففي الخطاب العام للدولة، يُطلب من المعلم أداء رسالته رغم ظروف الحرب التي يعيشها ويدفع كلفتها، واستئناف الدراسة وتعويض الفاقد التعليمي والمساهمة في استقرار المجتمع كواجبات مطلقة، بينما تظل التزامات الدولة تجاه الحقوق بنودًا مؤجلة على الدوام، وتتحول لغة الواجب الوطني كسلاح يُستخدم من جانب واحد، وهو الحكومة، إلى وسيلة لإسكات المطالب بدلًا من أن تكون سياسات لتنظيم العلاقة بين الدولة والعاملين، والقياس على قاعدة أن التعليم مسؤولية مشتركة، وأن مطالبة المعلمين بأداء واجباتهم تستلزم أيضًا مساءلة السلطة عن التزاماتها تجاههم، إذ لا يجوز أن تكون الوطنية التزامًا على الموظف وامتيازًا للإعفاء من المساءلة بالنسبة إلى المسؤول.
من السهل جدًا محاولة التأثير على الرأي العام من قبل الوزارة لشيطنة موقف الإضراب للمعلمين وتصويره كأداة لتنفيذ أجندات سياسية، على الرغم من أن إضراب يومي 21 و22 أكتوبر المعلن من قبل لجنة المعلمين يمثل توقفًا معلنًا ومحددًا، بينما يتعرض التعليم أيضًا لتعطيل متراكم بفعل الحرب والنزوح وتعثر الاستعدادات الرسمية. وهنا ينبغي التمييز بين الإضراب النقابي المعلن، والذي يمكن تحديد مدته ومطالبه، وبين التعطيل المزمن الناتج عن الحرب والاضطراب الإداري والاقتصادي، والسؤال: من المسؤول عن الزمن التعليمي الذي يُفقد عندما يعجز النظام والدولة عن ضمان الحد الأدنى من الاستقرار؟
الواجب بالضرورة هنا ألا يتركز النقاش فقط حول توقف المعلمين عن العمل وإضرابهم المعلن ليومين، بل حول أسباب التعطل المتراكم في العملية التعليمية لأسباب تتعلق بالمسؤولين الحكوميين والتزامهم تجاه تعويض الفاقد التعليمي والتعامل مع أسباب فقدانه التي لا تزال قائمة، ولا ينبغي أن يصبح إضراب المعلم هو الواقعة الوحيدة التي تتم المحاسبة عليها، فيما تختفي بقية أسباب التعطيل من سجل المساءلة، وليس من الإنصاف أن نساوي بين إضراب محدود زمنيًا وبين كل الأسباب الأخرى، والمقارنة تكشف عن تفاوت الاهتمام العام بمصادر التعطيل المختلفة.
وزارة التعليم والتربية الوطنية ظلت «تتزاوغ» من مسؤولياتها في تحديد المخصص للتعليم من الموازنة العامة، ولا تجتهد في رفع السقف الضعيف لحظ التعليم مقارنة ببنود حكومية أخرى، ومعالجة التفاوت بين الولايات والعمل على مركزة رواتب المعلمين لضمان الحق التعليمي العادل، وعدم اللجوء إلى حيلة توزيع المسؤوليات المالية والتنفيذية إلى أطراف تشتت عملية ضبط المساءلة، حيث يحيل كل مستوى حكومي الأزمة إلى مستوى آخر من المستويات الحكومية لتضيع الحقوق، بحيث يصبح المعلم موظفًا حكوميًا عندما يُسأل عن حقوقه، وموظفًا محليًا حال عدم القدرة على تحصيلها.. فالحرب قد يكون من المفهوم أنها قد تفرض ترتيبات مالية استثنائية، لكنها بالضرورة لا تلغي الحاجة إلى تحديد المسؤوليات أو إعلان الأولويات أو نشر بيانات واضحة عن بنود الإنفاق الحكومي.
الوزارة التي تغرق الآن في شبر أزمة سداد الرواتب والاستحقاقات وتأخرها، عقلها غير مشغول بتفكيك أصل الأزمة من جذورها، والمتعلقة بأن الرواتب وأجور المعلمين لا تتعدى ما نسبته 3% من مطلوبات المعيشة، بحسب الدراسة التي أعدتها لجنة المعلمين، الشيء الذي يمس مكانة مهنة التعليم وقيمتها في المجتمع، باضطرار المعلم إلى البحث عن مصادر إضافية خصمًا على الوقت المتاح للتحضير والتصحيح والتطوير المهني، إذ لا يمكن بناء تعليم جيد على افتراض أن المعلم سيعوض من جيبه عجز المؤسسة، ويجب على الدولة ألا تناقش الرواتب واستحقاقات المعلمين باعتبارها نفقات إدارية تدفعها الخزانة العامة، بل يجب التعامل معها باعتبارها استثمارًا في رأس المال البشري للدولة، يجب أن يحظى بالاهتمام والرعاية، لأن حدود الأزمة أكبر مما تتخيل الوزارة، فهي ليست فقط في أن المعلم لا يستطيع شراء احتياجاته الأساسية، بل في أن الدولة تخاطر بفقدان الشروط التي تجعل التدريس مهنة قابلة للاستمرار.
العودة لقراءة دفتر مطالب المعلمين، والذي فيه إشارة إلى أن بعض الاستحقاقات قد صُرفت، بينما لم تُنفذ بقية الالتزامات، يقودنا إلى أن المسألة مرتبطة بمصداقية التسوية وآليات ضمانها، لا بمجرد قيمة المبلغ المصروف من استحقاقات المعلمين. وهنا لا يمكن بناء ثقة بين الطرفين طالما ظلت الوعود بحاجة إلى تصعيد جديد كي تتحول إلى التزام عملي من جهة الوزارة، التي قد تنجح في إنجاز التسوية التي قد تنهي بها إضرابًا مؤقتًا للمعلمين، ولكنها ستفشل في إنهاء الأزمة إذا لم تعالج الأسباب التي تجعل الإضراب يتكرر.
نعم، الإضراب يؤثر في انتظام الدراسة، خصوصًا لدى الأسر التي دفعت تكاليف النقل والزي المدرسي والكتب أو رتبت حياتها على موعد بدء العام الدراسي، والتلاميذ المتأثرون بالنزوح والانقطاع السابق عن التعليم أكثر عرضة لتراكم الفاقد التعليمي، ولذلك ينبغي ألا تُعامل أيام التوقف والإضراب باعتبارها حدثًا إداريًا عابرًا، ولا ينبغي تحميل المعلم وحده مسؤولية الأثر الذي يقع على التلاميذ، بل يجب أن تتحمل الوزارة هذا الوزر وتعترف بتسببها في الأزمة، وأن يُساءل المسؤولون فيها عما فعلوه لحماية حق التلاميذ في التعلم بالتوازي مع معالجة مطالب العاملين. وهل توجد خطة لتعويض الدروس المتأثرة وضمان عدم تحميل الأسر كلفة إضافية وتقديم معلومات واضحة عن استئناف الدراسة؟
الوزارة الآن، وفي هذا التوقيت، مسؤولة عن جملة مطالب، في مقدمتها إصدار كشف مالي معلن فيه بيان واضح للاستحقاقات المعتمدة، وما صُرف منها، وما تبقى، والجهة المسؤولة عن كل بند، مع مواعيد تنفيذ محددة.
الوزير والوزارة مسؤولان عن إيجاد آلية للمساءلة وتحديد المسؤولية الإدارية والمالية عن تعطيل القرارات الصادرة والمتفق عليها، وإتاحة وسيلة واضحة لتقديم الشكاوى ومراجعة الاستحقاقات، وكتابة صيغة تمويل قابلة للتنفيذ، وإعلان كيفية تمويل المرتبات والتعليم العام، وكيفية ضمان حد أدنى من العدالة بين الولايات في ظروف الحرب.
هنالك ضرورة لصياغة اتفاق يفضي لاستقرار العام الدراسي، يجمع بين تحسين أوضاع المعلمين وحماية حق التلاميذ، ويشمل معالجة الفاقد التعليمي وتوفير البيانات اللازمة لقياس انتظام الدراسة، وألا تتعامل الحكومة مع الإضراب باعتباره عطلًا مؤقتًا ينبغي احتواؤه، بل باعتباره إنذارًا يستوجب مراجعة الطريقة التي تُدار بها واحدة من أهم الخدمات العامة.



