السيادة في رغيف الخبز
هوامش السيادة/ بقلم/ أبوذر عوض الكريم أحمد

□ في اقتصادٍ أنهكت الحرب موارده، وأثقلت كلفة المعيشة كاهل الأسر، يصبح القرار الاقتصادي امتحانًا لجدية الدولة في تخفيف أعباء الحياة. وتوجيه رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، برفع الحظر عن استيراد السلع الغذائية ومدخلات الإنتاج، يضع السوق أمام اختبارٍ مباشر: هل تتحول التوجيهات إلى وفرةٍ في السلع، وانخفاضٍ في الأسعار، وانفراجٍ يشعر به المواطن في تفاصيل يومه؟ فالمعيار الحقيقي لأي خطوة اقتصادية هو أثرها في حياة الناس، لا صداها في عناوين الأخبار.
□ في هذا السياق، جاء توجيه البرهان بالسماح بدخول عددٍ من المواد الأساسية دون رسوم جمركية، في خطوةٍ تستهدف معالجة اختناقات الأسواق وتخفيف الأعباء المعيشية. وشملت التوجيهات الخضروات والفواكه والدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام، مع إخضاع بقية السلع للإجراءات الجمركية المعتادة.
□ القرار مهمٌ في توقيته، لأن الأسواق لا تعيش بمعزلٍ عن حياة الناس، ولأن وفرة السلع الأساسية واستقرار أسعارها يرتبطان مباشرةً بالأمن المعيشي. لكن أهمية القرار لا تعني أن أثره سيتحقق بمجرد إعلانه؛ فبين رفع الحظر وانخفاض الأسعار حلقاتٌ متعددة، تبدأ بإكمال الإجراءات، وتمرّ بتوفير النقد الأجنبي والنقل والتخليص، وتنتهي بوصول السلع إلى المستهلك بسعرٍ يستطيع تحمّله. وأي خللٍ في هذه السلسلة قد يجعل القرار صحيح المقصد محدود الأثر.
□ هنا تبرز مسؤولية الحكومة التنفيذية. فالتوجيهات التي تصدر لتخفيف الضغوط عن المواطنين تحتاج إلى سرعةٍ في التنفيذ، وتنسيقٍ بين الجهات المعنية، ومتابعةٍ دقيقة لحركة الاستيراد والأسعار. وليس مقبولًا أن يظل المواطن يسمع عن تسهيلاتٍ لا يجد أثرها في الأسواق، أو أن تتبدد الإعفاءات في تكاليف إضافية وهوامش ربحٍ لا تخضع للمنافسة. المطلوب أن تكون هناك متابعةٌ واضحة، وأن تُرصد الأسعار قبل التنفيذ وبعده، حتى يُعرف أين وصلت الفائدة، وأين تعثرت، ومن المسؤول عن تعطيلها.
□ ومع ذلك، فإن معالجة الاختناقات لا تكتمل بفتح باب الاستيراد وحده. فالبلاد التي تسعى إلى حماية عملتها تحتاج إلى زيادة إنتاجها، وتوسيع صادراتها، وتقليل اعتمادها على الخارج في ما تستطيع إنتاجه محليًا. والاستيراد قد يسد فجوةً عاجلة، لكنه لا يصنع وحده اقتصادًا متماسكًا؛ إذ لا بد من حماية المزارع والمصنع، وتيسير حصولهما على الوقود والتمويل ومدخلات الإنتاج، وتهيئة بيئةٍ تجعل المنتج المحلي قادرًا على المنافسة دون أن يُترك وحيدًا في مواجهة كلفةٍ مرتفعة وإجراءاتٍ معقدة.
□ ومن الضروري كذلك أن تكون السياسة الاقتصادية متسقةً في أهدافها وأدواتها. فحظر السلع ثم رفع الحظر عنها يضعان الدولة أمام واجب المراجعة والتقييم: ما النتائج التي تحققت؟ وهل عالجت الإجراءات السابقة الخلل الذي استهدفته، أم أضافت أعباءً جديدةً إلى السوق؟ إن مراجعة القرار ليست انتقاصًا من هيبة الدولة، بل دليلٌ على قدرتها على تصحيح المسار. أما أن تتبدل السياسات دون تفسيرٍ كافٍ أو تقييمٍ معلن، فإن ذلك يربك التجار والمنتجين، ويضعف ثقة الناس في استقرار القواعد التي تحكم النشاط الاقتصادي.
□ وفي خلفية هذا كله تقف قضية الجنيه، بما يحمله تراجع قيمته من آثارٍ على الأسعار وكلفة الاستيراد ومعاش الأسر. فالإعفاءات الجمركية قد تخفف جزءًا من التكلفة، لكنها لا تعالج وحدها كل أسباب الغلاء، ولا تغني عن إصلاحاتٍ أوسع تشمل ضبط الإنفاق، وتوسيع الإنتاج، ومحاربة التهريب والممارسات الاحتكارية، وتحسين إدارة الموارد العامة. السيادة الاقتصادية لا تتحقق بإغلاق الأسواق ولا بفتحها على إطلاقها؛ تتحقق بحسن إدارة التجارة، وبناء قاعدة إنتاجية قوية، واتخاذ قراراتٍ تستند إلى حساباتٍ واضحة وتخضع للمراجعة والمساءلة.
□ ولأن المواطن هو المقصد النهائي لهذه السياسات، فإن نجاح القرار ينبغي أن يُقرأ في تفاصيل يومه: هل توافرت السلع؟ هل تراجعت كلفتها؟ هل وصلت الإعفاءات إلى المستهلك، أم توقفت عند حلقات الاستيراد والتوزيع؟ وهل وجد المنتج المحلي فرصةً أفضل للاستمرار؟ هذه أسئلةٌ عملية لا تجيب عنها البيانات وحدها، بل تجيب عنها حركة السوق، وشفافية المعلومات، وقدرة الجهات الرقابية على منع استغلال حاجة الناس.
ولهوامش السيادة كلمة:
السيادة الاقتصادية لا تسكن الخطب وحدها؛ إنها تبدأ من قرارٍ مدروس، وتُختبر في تنفيذه، وتكتمل حين يشعر المواطن بأن الدولة تحمي حقه في العيش الكريم. وقرار رفع الحظر يفتح بابًا لمعالجة اختناقاتٍ معيشية، لكن قيمة الخطوة ستظل رهينةً بما يليها من تنفيذٍ منضبط، ورقابةٍ فاعلة، وسياسةٍ توازن بين احتياجات السوق وضرورة الإنتاج المحلي. فليس المطلوب أن تصل السلع إلى البلاد فحسب، بل أن تصل منافع القرار إلى الناس، وأن تتحول صلاحيات الدولة إلى حلولٍ ملموسة. عندها تصبح السيادة أكثر من شعار؛ تصبح قدرةً على إدارة الموارد، وصون القرار، وحماية المواطن من أن يدفع وحده فاتورة الاختلال.



