أثر الدفء الأسري في صقل المرونة النفسية لأطفال الشتات: قراءة سيكولوجية ومجتمعية

أجيال النيل/ دكتورة سهام موسى مصر

تعيش الأسرة السودانية اليوم في ظروف استثنائية فرضتها مرارة الحرب وويلات اللجوء والنزوح القسري. وفي خضم هذه التحديات الجسام، تتضاعف المسؤولية الملقاة على عاتق الآباء والأمهات في المهجر، حيث ينعكس الإجهاد النفسي والمادي والاجتماعي بصورة مباشرة على أساليب التربية والتعامل اليومي مع أطفالنا الذين اقتُلعوا من جذورهم وأرضهم ليواجهوا بيئات جديدة ومستقبلًا محاطًا بالغموض.

ومن واقع ممارستنا الميدانية والبحثية في مجالات علم النفس، والإرشاد الأسري والقانوني والاجتماعي، نرى جليًا كيف تتأثر دواخل الأطفال برياح التغيير العاتية. غير أن الشواهد العلمية والدراسات الحديثة تؤكد باستمرار أن خط الدفاع الأول والملجأ الأهم لحماية هؤلاء الأطفال لا يكمن فقط في توفير المأوى والغذاء، بل في جودة الرابط العاطفي والتربوي الذي يبنيه الوالدان داخل المنزل.

تشير أحدث أبحاث علم نفس النمو والأعصاب إلى أن تربية الأطفال لا تتوقف عند حدود غرس السلوكيات والمهارات اللفظية والاجتماعية، بل تمتد لتضع البصمات الأساسية على كيفية تشكّل الدماغ وتفاعله مع الحياة. فقد أظهرت دراسة طولية حاشدة امتدت لـ 15 عاماً، وتابعت مئات الأطفال من سن الثالثة وحتى المراهقة ورشد النضج المبكر، نتائج علمية دقيقة تم فيها قياس الإشارات العصبيّة والدماغية بواسطة تخطيط كهربائية الدماغ (EEG) عند التعرض لمواقف الفوز والخسارة والمكافأة.

أثبتت النتائج أن الأطفال الذين حظوا بأساليب تربوية قوامها الدفء، والاحتواء، والتشجيع المعتدل، والدعم العاطفي في سنواتهم الأولى، أظهروا استجابة دماغية ونشاطاً عصبياً أعلى بكثير للمكافآت والتجارب الإيجابية خلال سنوات المراهقة. وعلى العكس من ذلك، فإن الأساليب القاسية أو التسلطية، أو حتى التدخل المفرط والسيطرة الزائدة، ارتبطت باستجابة عصبية أضعف تجاه الفرح والنجاح والمواقف المبهجة لاحقاً في الحياة.

إن هذه الكشوفات تعني ببساطة أن الدعم العاطفي والتشجيع المعتدل ليس مجرد “أسلوب راقٍ” في التعامل، بل هو سماد حيوي يساعد الدماغ على تطوير منظومة استجابة متوازنة وشغوفة بالمتعة والنجاح والعلاقات الاجتماعية الصحية.

في سياق مجتمعات النزوح والشتات السودانية، يقع الكثير من أولياء الأمور -تحت وطأة الضغوط النفسية واضطرابات ما بعد الصدمة وفقدان الاستقرار الاقتصادي- في فخ القسوة غير المقصودة، أو التدخل المفرط بدوافع الحماية الزائدة والتمسك بالسيطرة وسط عالم يبدو غير آمن.

إن هذا النمط القاسي أو المتطلب بشدة، على الرغم من صدوره أحياناً عن خوف محق وحرص صادق، يعيق قدرة الطفل الدماغية والنفسية على الابتهاج والانتعاش. عندما يعتاد دماغ الطفل على التوتر المستمر والتردد أمام نبرات الغضب أو الجفاء، تضعف حماسته للنجاحات الصغيرة، ويصادره شعور متزايد بالعجز واللامبالاة، مما يزيد من احتمالية التعرض للمشكلات النفسية ومشاعر الاكتئاب والانسحاب الاجتماعي عند بلوغ مرحلة المراهقة.

إن فهمنا لهذه الحقائق النفسية والعصبية يفتح أمامنا باباً واسعاً للأمل. فالتربية ليست قدرًا محتومًا، والأساليب اليومية يمكن تعديلها وتطويرها لتصبح وسيلة للتعافي وبناء المرونة النفسية لدى أطفالنا. وتتلخص أبرز الممارسات التي يمكن للأسرة السودانية تبنيها في النقاط تشمل: التركيز على السعي والجهد لا النتيجة فقط، فعندما نحاول تشجيع الطفل، لا ينبغي أن نبالغ في المدح الزائف أو ربط كل سلوك بمكافأة مادية، بل يجب الامتنان محاولاته وصبره وإصراره. والتقدير الواعي للجهد المبذول يبني لدى الطفل علاقة متوازنة مع التجارب اليومية ويجعله يتعامل مع النجاح والفشل بوعي ونضج.

يحتاج أطفال الشتات إلى مساحة يشعرون فيها بأن بيتها الداخلي يستوعب عثراتهم. إن إتاحة الفرصة للطفل للخطأ دون خوف من العقاب القاسي أو السخرية، يعلمه أن التحديات والصعوبات هي فرص حقيقية للنمو، ويحميه من الشعور بالخزي والإنكار.

من المهم إعطاء أطفالنا المساحة الكافية للتعبير عن مشاعرهم، سواء كانت فرحاً أو حزناً أو خوفاً من الظروف المحيطة. إن شعور الطفل بأن عواطفه مقبولة ومسموعة يقوي مناعته النفسية ويرسخ أواصر الأمان العاطفي لديه.

رغم الأهمية البالغة لأسلوب التربية والاحتواء الأسري، يجب ألا ننسى أن الصحة النفسية لأطفالنا هي حصيلة منظومة متكاملة تشمل الظروف البيئية والاجتماعية والتجارب الحياتية والاستعدادات الفردية. إن مهامنا كقادة مجتمعيين ومرشدين نفسيين لا تقف عند حدود تقديم النصيحة للأسر، بل تمتد لتوفير بيئات دعم مجتمعي وشبكات أمان اجتماعي وقانوني ونفسي تخفف الضغط عن كاهل الوالدين، ليتمكنوا من منح أطفالهما الدفء والاستقرار المطلوبين.

إن استثمارنا في مشاعر أطفالهما، وتشجيعهم على تجريب الفرح والتعبير عنه، هو استثمار في بناء جيل سوداني قادر على تجاوز آلام الحرب، وإعادة بناء ذاته ومجتمعه بمرونة، وأمل، ووعي نفسي راسخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى