شيخ الأمين.. سيد القدح البجر نارو توقد للفجر
بقلم: علاء الدين محمد ابكر

حين يشتد الظلام وتضيق السبل بالناس وتتكالب عليهم المحن، يظهر في سماء السودان رجال من طراز خاص، رجال لا يملكون جيوشا ولا وزارات ولا خزائن مال، لكنهم يملكون ما هو أعظم من ذلك، يملكون قدحا لا ينضب وقلبا لا يضيق ونارا لا تنطفئ. ومن بين هؤلاء الرجال يبرز الشيخ الجليل الشيخ الأمين عمر الأمين، سيد القدح الذي بجر نارو توقد للفجر.
إن ما يقوم به الشيخ الأمين اليوم ليس مجرد عمل خيري عابر يمكن أن يسجل في دفاتر المنظمات، بل هو امتداد أصيل وطبيعي لدور تاريخي ظلت تلعبه الطرق الصوفية في السودان منذ مئات السنين. فمنذ أن وطأت أقدام رجال التصوف هذه الأرض الطيبة، وهم يحملون على عاتقهم مهمتين، مهمة إصلاح الروح بالذكر، ومهمة إصلاح الجسد بالإطعام. فكانت التكايا والمسايد هي أول مؤسسات الضمان الاجتماعي في السودان قبل أن يعرف العالم هذا المصطلح. كانت هي الملجأ للمسافر المنقطع والفقير المعوز وطالب العلم الغريب، وكان شعارها الخالد الكبير شايل والصغير شايل.
وقد تجلى هذا الدور بأبهى صوره في هذه الحرب اللعينة التي مزقت البلاد. فحين أغلقت الأبواب ونزح الملايين من بيوتهم وتوقفت مصادر الرزق وجاع الناس في الخرطوم وأم درمان ودارفور، كان هناك رجل واحد فتح بابه على مصراعيه وقال أنا لها. تصدى الشيخ الأمين لهذه المهمة التي تخلت عنها دول ومنظمات كبرى، تصدى لها بكل شجاعة وثبات ويقين، غير عابئ بما يمكن أن يصيبه من أذى أو نقد أو تشكيك.
إن تكية الشيخ الأمين التي يديرها مسيده العامر في قلب أم درمان لم تعد مجرد مطبخ يقدم الطعام، بل تحولت إلى مؤسسة إنسانية متكاملة، وإلى رمز وطني للصمود والتكافل السوداني. فمنذ اندلاع الحرب وإلى يومنا هذا، ولما يقارب الألف يوم وأكثر، لم تنطفئ نار هذه التكية يوما واحدا. نار توقد مع أذان الفجر وتظل موقدة تقدم الوجبات الساخنة لآلاف الجوعى والنازحين والمرضى والأطفال والشيوخ، دون أن تسأل أحدا عن قبيلته أو حزبه أو دينه، فالجائع عند الشيخ الأمين له حق، والمحتاج له كرامة، والضيف له واجب.
والأمر لم يتوقف عند إطعام الطعام، فهذا وحده عمل عظيم في زمن الجوع، لكن الشيخ الأمين ذهب أبعد من ذلك. ففي مسيده تجد الطبيب الذي يعالج مجانا، والمعلم الذي يدرس الأطفال الذين توقفت مدارسهم، والمتطوع الشاب الذي يحمل الدواء للمريض ويساعد في غرف الطوارئ، والمرأة التي تأتي آمنة لتجد لقمة تستر بها جوع أطفالها. لقد أصبح المسيد مدينة إنسانية مصغرة في قلب حرب كبيرة.
وقد امتد هذا النور من أم درمان إلى ولايات أخرى، فكانت هناك تكايا باسم الشيخ الأمين في الفاشر وفي كردفان وفي مناطق أخرى منسية، تؤدي نفس الرسالة وتوقد نفس النار، لتقول للناس إن السودان لا يزال حيا وإن الخير لا يزال في أبناء هذا الوطن.
ولا أريد أن أقول إن هذا الجهد الخارق يستحق أن يكرم بجائزة نوبل للسلام، وإن كان هو أهل لذلك وأكثر، فمن ينقذ نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف بمن أنقذ آلاف الأنفس من الموت جوعا. ولكنني أعلم علم اليقين أن أمثال الشيخ الأمين لا يلتفتون لمثل هذه الجوائز الدنيوية، فهم قوم لا يريدون إلا وجه الله، ولا ينتظرون شكرا من أحد، وحسبهم أن يروا بسمة طفل شبع بعد جوع، ودعوة أم مسكينة كانت تبكي من قلة الحيلة.
لقد تعرض الشيخ الأمين وتكيته للكثير من الجدل والنقاش، وهذا طبيعي، فكل عمل كبير يثير الجدل، لكن الرد على كل ذلك الجدل يأتي من أفواه الجائعين أنفسهم، من تلك الطوابير الطويلة التي تقف بانتظام واحترام أمام قدح الشيخ، وهي تعلم أنها ستأخذ نصيبها دون من أو أذى.
إن قدح الشيخ الأمين البجر سيظل علامة فارقة في تاريخ هذه الحرب، وسيكتب التاريخ أن في زمن انهارت فيه كل القيم، كان هناك شيخ صوفي في أم درمان يحافظ على قيمة الإطعام في يوم ذي مسغبة. وسيظل هذا القدح شاهدا على أن التصوف السوداني ليس مجرد حلقات ذكر ومدائح، بل هو عمل ميداني وتكافل اجتماعي وجهاد بالنفس والمال من أجل الإنسان.
حفظ الله الشيخ الأمين وبارك في جهده ومتعه بالصحة والعافية، وبارك في كل شباب التكية المتطوعين الذين يوقدون النار معه من الفجر، وجعل الله ما يقدمه في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون.
سيد الحلقة التكر سيد القدح البجر نارو توقد لي الفجر ضوت ليلة القدر لي الإسمو حسب الرسول سيدي الوارث الشيخ ود بدر.
علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com



