من يتتبع الذهب يصل إلى الحقيقة: قراءة مصرفية في معركة المؤسسة والمنظومة»

بقلم/ وليد دليل- خبير مصرفي

يعرف المصرفي الذي أمضى عقوداً بين الفروع وغرف الخزينة وعمليات التسوية أن المال لا يختفي ولا ينشأ من العدم، وأن كل دولار يتحرك يترك أثراً في دفتر ما، في حساب مراسل أو في فاتورة تصدير أو في سجل مصفاة. من هذه القاعدة المهنية أنطلق في قراءة ما طرحه الدكتور عبدالعزيز الزبير باشا في مقاله «المنظومة والمؤسسة»، وأقول بوصفي خبيراً مصرفياً إن المقال يضع إصبعه على الموضع الصحيح، فالنقاش الجاد حول موقع الأمين العام للأمم المتحدة ينبغي أن يبدأ من المؤسسة وضماناتها، لا من الأسماء ولا من الانفعالات.
تقوم قوة الأمانة العامة على المادة المئة من الميثاق، التي تجعل موظفيها بعيدين عن تعليمات أي حكومة وتلزم الدول باحترام هذا الطابع الدولي الخالص. ومن يقرأ هذه المادة بعين المصرفي يجد فيها ما نسميه في مهنتنا استقلال الوظيفة الرقابية، فالمدقق الذي يتلقى توجيهاته من الجهة التي يدقق عليها لا قيمة لتقريره، ومجلس إدارة يعين مراقب امتثاله من بين المتهمين بالمخالفة لا يصدر عنه التزام. والأمر كذلك مع الأمانة العامة، فهي تخدم مجلس الأمن وتحمل ملفات العقوبات وتقارير الخبراء، وأي ثغرة في استقلالها تتحول مباشرة إلى ثغرة في منظومة المحاسبة الدولية كلها.
أما الجانب الذي أملك فيه صوتاً مهنياً فهو الذهب، الركن الأول في تحليل الدكتور باشا. فقد وثقت تقارير فريق الخبراء المنشأ بالقرار 1591 منذ سنوات أن الذهب السوداني يغادر البلاد بكميات تفوق ما تسجله الصادرات الرسمية بكثير. ففي تقريره لعام 2016 تحدث الفريق عن أكثر من أربعة مليارات ونصف مليار دولار من الذهب خرجت إلى الإمارات بين 2010 و2014، وأشارت منظمات رصد مثل «ذا سنتري» إلى أن نصف ما يُنتج في السودان يُهرَّب خارجه. وفي تقريره المسرب مطلع 2024 وصف الفريق شبكة تضم نحو خمسين شركة مرتبطة بقوات الدعم السريع تمول بها شراء السلاح وتدير عبرها قنوات مالية دولية، وأشار إلى مصرفي مقيم في دبي يعاون في إدارتها. وللإنصاف فإن دولة الإمارات نفت هذه الاتهامات رسمياً وبشكل قاطع، غير أن النفي لا يغلق الملف، فهذه التقارير صادرة عن جهاز تابع لمجلس الأمن نفسه، ومن حق السودانيين، وهم أصحاب المورد، أن يطالبوا بتحقيق يفصل بين الاتهام والنفي بالأدلة.
وما يعنيني هنا هو أثر هذا النزيف على الاقتصاد الذي أعمل في خدمته. فكل جرام ذهب يخرج خارج القنوات الرسمية هو حصيلة نقد أجنبي لا تدخل حسابات بنك السودان المركزي ولا تغذي احتياطياً ولا تموّل استيراد قمح ودواء ووقود. وهو في الوقت نفسه أمر يرهق سعر الصرف، لأن الطلب على العملة الأجنبية يتجه إلى السوق الموازية بينما العرض الذي كان ينبغي أن يغذي القنوات الرسمية يتسرب خارجها. وحين يُباع الذهب بأقل من قيمته أو يُسجَّل بقيمة مخفضة، فإن الفرق يتحول إلى ثروة في حسابات لا يراها المواطن ولا تحاسبها الدولة. وهذه هي الصورة التي يسميها المختصون غسلاً قائماً على التجارة، حيث تتحول الفواتير والأوزان والأسعار إلى أدوات لنقل القيمة عبر الحدود دون أن تتحرك أموال مصرفية مرئية.
ولهذا يتجاوز الأمر السودان إلى سؤال أوسع عن سلامة النظام المالي الدولي. فقد أُخرجت الإمارات من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي في فبراير 2024، وانتقدت منظمات رقابية ذلك التوقيت بعد صدور تقرير خبراء الأمم المتحدة بأسابيع قليلة. وسواء اتفقنا مع هذا النقد أم لم نتفق، فهو يكشف أن معايير الامتثال تتطلب قدراً من الاستقلال المؤسسي كي تعمل بجدية. فمن يراجع ملفات الامتثال يجب ألا يكون له مصلحة في نتيجتها، وهذا ما يقوله الدكتور باشا حين يربط بين استقلال الأمانة العامة وبين فاعلية المحاسبة، ويحذر من أن مكافأة من تدور حوله الشبهات بمنصب يحميه تعني تقويض أدوات المساءلة نفسها.
وأضيف من تجربتي المصرفية أن بناء الثقة في أي نظام يستغرق سنوات وتنهار أركانه بسابقة واحدة. فإذا استقر في الأعراف الدولية أن الدولة المتهمة بخرق حظر السلاح أو بتسهيل تجارة الذهب المموِّلة للحرب يمكنها أن تصل إلى المنصب الذي يشرف على ملفات العقوبات، فسيصبح هذا نموذجاً يحتذى، وستتعلم كل شبكة مالية أن أقصر الطرق إلى الحصانة هو الوصول إلى المؤسسة التي كان يفترض أن تحاسبها.
ولا يعني هذا اتهاماً لأحد قبل ثبوته، ولا أدعو إلى ما يخرج عن القانون، فمبدأ الدكتور باشا «لا مساءلة، لا تفويض» هو في جوهره مبدأ مصرفي قبل أن يكون سياسياً: لا يُمنح التفويض لمن لم يُفحص ملفه ولا تُغلق التحقيقات المفتوحة بمنح مناصب. وأقترح خطوات عملية تنسجم مع هذا المنطق: أن تُنشر نتائج تحقيقات فريق الخبراء كاملة وأن يُمنح السودان حق الاطلاع عليها، وأن تُلزم مصافي الذهب ومراكز تداوله بمعايير تتبع المنشأ المعتمدة دولياً، وأن يُفعَّل دور بنك السودان المركزي في احتكار تصدير الذهب عبر قنوات رسمية بأسعار مجزية تغري المنتجين بالتوريد الشرعي. فالدولة التي لا تملك رقابة على مواردها لا تستطيع المطالبة بحمايتها دولياً.
وأخلص إلى أن ما يستحق الدفاع عنه هو القاعدة، وهي أن تبقى المؤسسة الدولية فوق الحكومات وأن يبقى الذهب السوداني ملكاً للسودانيين يدخل في موازنتهم ويحمي عملتهم. وبهذا المعنى فإن مقال الدكتور عبدالعزيز الزبير باشا يستحق التأييد لأنه يعيد النقاش من ضجيج الأسماء إلى جوهر المؤسسات والأرقام، وهو الميدان الذي يعرف المصرفي كيف يقرأه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى