المليشيا.. من يهدم دولة ٥٦ ومن يؤسس للدولة الجديدة؟
ملح الأرض/ بقلم/ خالد ماسا

والحديث عن «دولة ٥٦» لا يعتبر «لافتة» جديدة في النادي السياسي السوداني، ولا هو الاكتشاف الأول لمليشيا الدعم السريع التي تستخدمه الآن كغطاء سياسي، اعتقادًا منها بأن مجرد رفع اللافتة كافٍ تمامًا لتقديم مشروع سياسي بديل يلتف حوله السودانيون الرافضون لتركيبة دولة ٥٦.
وبالقراءة الأولى للخطاب المقدم تحت هذه اللافتة، يذهب الاعتقاد السوي إلى فكرة أننا أمام فكرة تفكيك الدولة القديمة لصالح تأسيس الدولة الجديدة. وهنا نكون محتاجين إلى زاوية تفكير أوسع تأخذنا إلى مربع إخضاع الطرف الذي يرفع شعار التغيير من دولة ٥٦ لصالح السودان الجديد، ويرفع عقيرته بهتاف «سودان قديم يتهدم وسودان جديد يتقدم»، لاختبار البديل الذي يطرحه، وذلك لإجراء المقاربة الموضوعية بين النموذجين. وإن كان هنالك اتفاق حول الاختلالات التي لازمت الدولة السودانية أو دولة ما بعد الاستقلال، فإن بناء هذه المقاربة يكون على سؤال مركزي ومهم، وهو: إذا كانت دولة ٥٦، وفق خطاب الدعم السريع المرفوع الآن على منصات دعم حكومة تأسيس، دولة مختلة وعنصرية ومحتكرة للسلطة والثروة لصالح فئات معينة بحسب الخطاب، فما هي ملامح الدولة التي يريد تأسيسها؟ وهل ما يجري على الأرض الآن عبر الحرب المشتعلة منذ منتصف أبريل من العام ٢٠٢٣ وحتى الآن هو تفكيك لبنية الدولة القديمة، والتي بدأت مع الاستقلال ١٩٥٦، تمهيدًا لبناء دولة جديدة، أم تفكيك لما تبقى من الدولة السودانية دون امتلاك مشروع وطني بديل؟
ولأن بيت الحكمة السوداني يقول «الشينة منكورة»، فإننا نجد الكثيرين في النادي السياسي، ومن تعجبهم الخطب السياسية التي تستثمر في تناقضات واختلالات دولة ما بعد الاستقلال، ميالين للتنصل من عيوب الدولة القديمة ومن المسؤولية التاريخية.
ونحن نقول بأنه لا ينبغي أن يكون الخلاف حول فكرة تقديس دولة عام ١٩٥٦ أو إدانتها؛ فالدولة السودانية التي ولدت مع الاستقلال لم تكن نموذجًا مكتملًا لدولة العدالة والمواطنة، كما أنها لم تكن خالية من الاختلالات البنيوية والتفاوتات الجهوية والاقتصادية. ولكن الاعتراف بأخطاء الدولة الوطنية لا يمنح أي جماعة مسلحة أو أي مليشيا «شيكًا على بياض» لتدميرها، ولا يبرر انتقادها والموقف منها حمل السلاح كبديل عن المشروع السياسي المتكامل، ولا يحول الشعارات المتعلقة بالمهمشين إلى «صك شرعي» لتأسيس سلطة جديدة.
نعم، دولة ٥٦ يجب أن تُنتقد بسبب إخفاقاتها في بناء دولة المواطنة التي تؤسس للحقوق والواجبات المتساوية، ودولة ٨٩ وما أعقبها من تحولات تُسأل عن إعادة إنتاج السلطة المسلحة والاقتصاد السياسي للحرب والتأسيس لدولة الحزب الواحد والمشروع السياسي القائم على الإقصاء، والسلطة القائمة في معسكر الجيش الآن تُسأل بدورها عن قدرتها على استعادة مؤسسات الدولة بعد الحرب، وعدم الاكتفاء باستعادة الجغرافيا والحديث عن الشرعية.
ولكن بالمقابل، يجب أن يُسأل كل الداعمين للافتات التغيير والسودان الجديد والقائم على أنقاض دولة ٥٦ القديمة، في الدعم السريع وحكومة نيالا، عن مشروعهم البديل وعن طبيعة الدولة المراد إقامتها بعد إسقاط ما يسمونه دولة ٥٦؛ فالمحاكمة ليست لتاريخ السودان منذ الاستقلال فقط، بل محاكمة للمشروعات الطالبة للسلطة، والتي تتنافس على مستقبل السودان دون أن تقدم إجابة مؤسسية مكتملة عن سؤال ماهية الدولة الجديدة.
(*) دولة ٥٦.. هل نحاكم تاريخًا أم نهدم وطنًا؟
وبعيدًا عن خطاب التحشيد المستخدم الآن والاستخدام التعبوي لمصطلح دولة ٥٦، والذي اختزل تاريخ السودان في ثنائية المركز والهامش، هنالك حاجة ملحة لتفكيك المصطلح، ابتداءً من سؤال: ماذا تعني دولة ٥٦ تاريخيًا؟ وهل هي فقط مجرد منظومة حكم أنتجتها النخب السياسية بعد الاستقلال، أم أنها تعبير عن ميلاد الشخصية الوطنية السودانية وحق السودانيين في تقرير مصيرهم؟ وكيف جاز لأصحاب الخطاب الحالي اختزال سبعين عامًا من التاريخ السوداني في هيمنة مجموعة جغرافية أو إثنية واحدة؟
لا مجال لإنكار حقيقة أن الدولة السودانية بعد الاستقلال لم تكن عادلة في توزيع السلطة والثروة والخدمات، وهذا اختلال بيّن. ولكن هل كانت الاختلالات نتيجة طبيعة الدولة الوطنية ذاتها، أم نتيجة الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية ومركزية السلطة وفشل النخب في بناء نظام ديمقراطي مستدام؟ وهل سيكون تفكيك الدولة الوطنية هو المدخل الصحيح لمعالجة إخفاقاتها، أم أن المطلوب هو تفكيك بنية الامتياز والإقصاء مع المحافظة على وحدة الدولة ومؤسساتها؟
يجب أن يكون مفهومًا أن هناك فارقًا جوهريًا بين تفكيك دولة الاستعلاء والامتياز وتفكيك الدولة السودانية نفسها؛ فالأول هو مشروع إصلاح سياسي ودستوري، والثاني قد يتحول إلى مشروع تفكيك وطني شامل.
المفارقة التي صنعتها الحرب هي أن المليشيا والداعمين لمشروع حكومة تأسيس هم بالأساس خارجون من رحم المشروع الذي تم تدشينه في العام ١٩٨٩، ولا مجال لتصديق خطاب التصدي لمشروع الإسلاميين بالإطلاق والتعميم المستخدم الآن. فقوات الدعم السريع، الكل يعلم بأنها عندما أُنشئت لم تنشأ باعتبارها حركة تحرر وطني أو تنظيمًا سياسيًا ديمقراطيًا يحمل مشروعًا لإعادة تأسيس الدولة، بقدر ما أنها أُسست كأحد أذرع حماية النظام والدولة وقتها، وتشكلت عام ٢٠١٣ في سياق إعادة تنظيم وتوظيف المليشيات التي ارتبطت بحرب دارفور لمؤازرة النظام. وتعود جذورها تاريخيًا إلى مليشيات الجنجويد التي دعمتها حكومة النظام السابق، وجاء تطورها في ظل النظام، ثم تحولت إلى قوة عسكرية وسياسية واقتصادية ذات نفوذ مستقل ومتزايد، ثم شاركت في التحولات والانقلابات السياسية التي شهدتها البلاد بعد السقوط، قبل أن يتحول الصراع مع الجيش إلى حرب أبريل ٢٠٢٣.
وبالتالي، يصبح من الموضوعي الاستفسار عن كيف تحولت قوة نشأت في ظل دولة الإنقاذ إلى حامل لشعار تفكيك دولة ٥٦؟ وهل يمكن لقوة ارتبط تاريخ نشأتها ببنية السلطة العسكرية والأمنية لنظام الإنقاذ أن تقدم نفسها باعتبارها نقيضًا تاريخيًا لتلك البنية؟
لا يمكن الإقناع ونحن نسمع الخطاب الناقم على دولة ٥٦ بأننا أمام مراجعة حقيقية لتجربة الدولة السودانية، بل نحن حقيقة أمام إعادة إنتاج للصراع على السلطة تحت غطاء خطاب ثوري جديد. وإلا فما الذي تغير في بنية القوة نفسها حتى تصبح مؤهلة لتقديم نموذج مختلف للدولة؟ ولا يكفي أن تعلن القوة المسلحة خصومتها مع النظام القديم حتى تصبح مشروعًا بديلًا عنه؛ فمعايير التغيير لا تُقاس بعدوّك السياسي، بل بما تطرحه من مؤسسات وقواعد للحكم والمواطنة والمحاسبة.
(*) المليشيا.. من تفكيك المركز إلى تفكيك الجغرافيا..
ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية، فيما يخص الاستهداف الممنهج للبنية التحتية والكهرباء تحديدًا، ينقلنا بالضرورة من نقطة الاتهام للمليشيا بالتدمير إلى منطق السؤال عن كيف يمكن الحديث عن تأسيس دولة جديدة وسودان جديد، بينما تتعرض مقومات الحياة المدنية والاقتصادية والخدمية للتدمير؟ وكيف يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية بينما يفقد المواطن مقومات الحياة الأساسية؟ وما قيمة الشعارات المتعلقة بتوزيع الثروة إذا كان المجتمع نفسه يفقد موارده وأصوله؟ وهل يمكن بناء دولة مواطنة على أنقاض مجتمع جرى إنهاك بنيته الاجتماعية والاقتصادية؟ والإجابة على مجمل هذه الأسئلة لا تحتاج إلى كثير اجتهاد لمعرفة التناقض بين الأقوال والأفعال.
فإذا كان مشروع مليشيا الدعم السريع يقوم على إنهاء دولة ٥٦ تمامًا، فمن حق السودانيين أن يعرفوا تفاصيل الدولة البديلة وشكل نظام الحكم المقترح فيها: رئاسي أم برلماني أم اتحادي؟ وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وكيفية توزيع السلطة والثروة، وموقع الجيش الوطني في الدولة الجديدة، ومستوى خضوعها للسلطة المدنية، ومدى توفر الضمانات الدستورية لعدم عودة المليشيات والتشكيلات المسلحة، ومدى أهلية مؤسسات الدولة لحماية حقوق الأقليات والمجموعات المحلية التي لا تنتمي إلى الحاضنة الاجتماعية للقوة المسيطرة. فالدولة ليست خريطة سيطرة عسكرية، وليست إعلانًا سياسيًا، وليست تحالفًا بين قادة ميدانيين.. الدولة عبارة عن عقد دستوري ومؤسسات عامة متساوية أمام القانون. وإذا كانت دولة ٥٦ تُنتقد لأنها احتكرت السلطة لمصلحة نخب محددة، فما الذي يمنع الدولة الجديدة من إعادة إنتاج الاحتكار نفسه، ولكن بأسماء ومرجعيات مختلفة؟ ولا يكفي تغيير النخبة الحاكمة إذا بقيت آليات إنتاج السلطة قائمة على السلاح والولاء الشخصي والامتياز الاقتصادي.
المؤكد هو أننا لسنا أمام مشروع تأسيس لدولة جديدة، أكثر من محاولة لإنتاج سلطة سياسية موازية تستمد وجودها من واقع الانقسام العسكري والجغرافي. فالدولة الجديدة لا ينبغي أن تكون غنيمة المنتصر، ولا تعويضًا سياسيًا للخاسر، ولا تسوية بين قادة المليشيات والنخب العسكرية. إنها حق السودانيين جميعًا.
ليست المشكلة هنا في أن يختلف السودانيون حول دولة ٥٦، ولا في أن يعيدوا قراءة تاريخها أو يحاكموا تجربة سبعين عامًا من الاستقلال بما لها وما عليها من إخفاقات ومظالم واختلالات في بنية السلطة وتوزيع الثروة؛ فتلك دولة لم تكن فوق النقد، ولم تكن تجربتها السياسية نموذجًا مكتملًا للعدالة والمواطنة، كما أن تاريخها لم يخلُ من أخطاء النخب التي تعاقبت على حكم البلاد ومن الانقلابات التي أجهضت فرص تطورها الديمقراطي.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول نقد تجربة الدولة إلى مشروع لهدم الدولة ذاتها، وحين يصبح تفكيك اختلالات المركز مبررًا لتفكيك المؤسسات الوطنية، وحين تتقدم المليشيا لتقدم نفسها باعتبارها صاحبة الحق في إعادة كتابة تاريخ السودان وتحديد مستقبله.



