والي الخرطوم رجل دولة من الطراز الأول

بقلم: علاء الدين محمد أبكر

في لغتنا العربية وموروثنا الشعبي السوداني الأصيل، هناك تعبير بليغ يختصر كل معاني الرجولة والشهامة، وهو قولهم: فلان يعدل الميل.

والميل هنا ليس ميلان الحائط فقط، بل هو كل اعوجاج في الحياة. الميل هو الظلم، هو الفوضى، هو الحاجة، هو الطريق المسدود، هو المعاناة التي تميل بكتف المواطن البسيط حتى تكاد تكسره.

ويعدل الميل هو ذلك الفارس الشهم، رجل الدولة الحقيقي، الذي لا ينتظر أن يأتيه الناس شاكين، بل يذهب هو إليهم، ينصر ضعيفهم، ويقوم معوجهم، ويزيل الظلم عنهم، ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.

وإذا أردنا أن نطبق هذا التعبير اليوم على أرض الواقع في ولاية الخرطوم، فإننا لن نجد أصدق من أن نطلقه على والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، الذي ظل ومنذ توليه المسؤولية في أحلك الظروف وأصعبها، يعدل كل ميل يعترض مسيرة العاصمة ونهضتها وعودتها للحياة.

ولاية الخرطوم اليوم ليست كأي ولاية. هي عاصمة تعرضت لما لم تتعرض له عاصمة في التاريخ الحديث من خراب ودمار ونهب ونزوح. عاد إليها أهلها وهم يحملون جراحهم، فوجدوا أن أبسط مقومات الحياة تحتاج إلى من يعدل ميلها: الماء يميل، والكهرباء تميل، والشوارع تميل، والمواصلات تميل.

وهنا تظهر معادن الرجال، ويظهر الفرق بين المسؤول الذي يصدر البيانات من مكتبه المكيف، ورجل الدولة الذي ينزل إلى الشارع ويده في يد المواطن.

من أهم صفات رجل الدولة من الطراز الأول، أنه لا يهرب من المشاكل، بل يواجهها. وأنه يهتم بقضايا الجماهير الحقيقية التي تمس لقمة العيش وحركة اليوم، لا بالقضايا الهامشية والاستعراضية.

وهذا ما ظل يقوم به والي الخرطوم بامتياز. ما إن تظهر مشكلة حتى تجده أول المتحركين لحلها بحلول علمية وعملية، لا بمسكنات مؤقتة.

وآخر هذه الميول التي احتاجت لمن يعدلها، كانت أزمة الترحيل والمواصلات الخانقة التي ضربت العاصمة مؤخراً.. فلننظر للمشهد بتجرد: أزمة وقود عالمية ومحلية تسببت في شلل شبه كامل في المواصلات العامة. في نفس التوقيت، انطلق العام الدراسي، وعاد مئات الآلاف من الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، وعاد عشرات الآلاف من الموظفين والعمال والتجار إلى مواقع عملهم بعد عودة تدريجية للحياة في الخرطوم. النتيجة كانت كارثية: طوابير طويلة من المواطنين تحت الشمس الحارقة في جاكسون والشهداء والسوق المركزي، طلاب صغار يبكون لأنهم تأخروا عن طابور الصباح، موظفون يخصم من رواتبهم بسبب التأخير، وأصحاب مركبات عامة يشتكون من انعدام الوقود.

مشكلة كهذه لو تركت دون تدخل حاسم، لتحولت إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة.

لكن رجل الدولة لا يترك الميل مائلاً.

فكان قرار والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة حاسماً، سريعاً، ومنحازاً بالكامل للمواطن، وجاء في اجتماع موسع ضم كل الجهات ذات الصلة، ليضع النقاط على الحروف:

وجه سيادته بزيادة أسطول بصات شركة مواصلات ولاية الخرطوم بشكل فوري وتوسيع انتشارها في جميع محليات الولاية السبع، بالتنسيق مع المديرين التنفيذيين. والأهم من ذلك، تخصيص عدد كبير من المركبات الحكومية لتعمل تحت إشراف المدراء التنفيذيين للمحليات مباشرة، لنقل المواطنين والطلاب بنصف القيمة فقط. بل وتحملت الولاية مسؤولية توفير الوقود لها وتحمل كافة الالتزامات المالية الأخرى. هذه هي الدولة التي تشيل مع المواطن، وليس الدولة التي تشيل من المواطن.

ولم يكتفِ الوالي بالكلام، بل وجه بتخصيص محطات خدمة محددة وثابتة في كل محلية، تكون مهمتها الوحيدة تزويد مركبات النقل العام والحافلات بالوقود، ومنح هذه المحطات الأولوية القصوى من الحصة المخصصة للمواصلات. وهذا يعني نهاية لفوضى البحث عن الوقود وضياع ساعات العمل في الطوابير.

وشددت حكومة الولاية على تكثيف الرقابة الميدانية على حركة الحافلات، وضمان التزامها الصارم بالخطوط والمسارات المقررة، ومنع ظاهرة تجزئة الخطوط التي أرهقت المواطن. ولتأكيد جدية الرقابة، وجه سيادته بالاستعانة بالمقاومة الشعبية ورجالها المخلصين لتوفير أفراد يساهمون في عمليات الرقابة وتنظيم حركة النقل في المواقف والأسواق، بما يعزز المتابعة الميدانية ويسهم في الحد من الاختناقات ويعيد الانضباط للشارع.

هذه القرارات ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي فلسفة حكم متكاملة. فلسفة تقول إن رجل الدولة هو من يشعر بمعاناة الطالب الذي لا يجد مواصلات، ويشعر بمعاناة الموظفة التي تقف ساعتين في الشمس، ويشعر بمعاناة العامل البسيط الذي يذهب نصف راتبه للمواصلات.

ولاية الخرطوم اليوم محظوظة برجل يعدل الميل كل يوم. اليوم يعدل ميل المواصلات، وبالأمس عدل ميل المياه بإدخال محطات جديدة، وقبلها عدل ميل الأمن بإعادة انتشار الشرطة، وقبلها عدل ميل النظافة وإزالة الأنقاض وفتح الشوارع.

نحن لا نمدح شخصاً لصداقة أو لمصلحة، نحن نشهد بما نرى. وفي زمن عز فيه المسؤول الذي يعمل، وقل فيه رجل الدولة الذي يتحمل المسؤولية في وقت الشدة، يجب أن نقول للمحسن أحسنت، وأن نشيد بكل من يعدل الميل.

فتحية لوالي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، رجل الدولة من الطراز الأول، الذي يثبت كل يوم أن المنصب تكليف وليس تشريفاً، وأن ولاية الخرطوم رغم كل الجراح، ستعود أفضل مما كانت، طالما فيها رجال يعدلون الميل.

علاء الدين محمد أبكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى