الفقر الصامت.. أسر تعيش خلف أبواب مغلقة

(صوت وقضية)/ بقلم: أميرة موسى

لم يعد الفقر في السودان مجرد ضيق في المعيشة أو عجز عن توفير بعض متطلبات الحياة بل أصبح معركة يومية تخوضها آلاف الأسر بصمت بين لقمة العيش وتكاليف العلاج ومتطلبات الحياة التي أثقلتها الظروف الاقتصادية القاسية. معركة لا يسمع ضجيجها أحد ولا تظهر تفاصيلها في واجهات الحياة لكنها تدور خلف أبواب مغلقة تخفي وراءها وجعاً أكبر من أن تصفه الكلمات.
اليوم يقف المواطن السوداني أمام تحديات معيشية بالغة القسوة، حيث أصبح عليه أن يعيد ترتيب أولوياته كل يوم، وأن يختار بين احتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عن أي منها. فكيف لأسرة أن توفّق بين توفير الطعام والشراب وشراء الدواء، وسداد تكاليف العلاج وتعليم أبنائها في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار السلع والخدمات؟ وكيف لأب أن يشرح لأطفاله أن ما يطلبونه لم يعد في مقدوره توفيره.. رغم أنه لا يتوقف عن المحاولة؟
ما يدفعنا للحديث عن هذه القضية ليس مجرد قراءة للواقع بل ما تكشفه بعض الاستطلاعات التي اجريتها والوقوف على أحوال أسر تعيش في أشد الحاجة إلى الرعاية والمساندة لكنها لا تمد يدها بالسؤال ولا تعلن عجزها ولا تطرق أبواب الآخرين إنها أسر متعففة اختارت الصمت حفاظاً على كرامتها وأصبحت تخوض معاركها اليومية بعيداً عن أعين المجتمع.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فليس كل محتاج يطلب وليس كل جائع يشتكي وليس كل بيت يبدو هادئاً يخلو من الألم. فخلف بعض الجدران حكايات موجعة: أم تحاول أن تخفي دموعها عن أطفالها وأب أنهكته المسؤوليات ومريض يؤجل علاجه لعدم قدرته على شراء الدواء وطفل غادر مقعد الدراسة مبكراً ليبحث عن عمل يساعد به أسرته وآخر حُرم من حقه في التعليم لأن الفقر كان أقوى من أحلامه.
إن الفقر لا يسرق المال وحده بل قد يسرق الطفولة ويؤجل العلاج ويطفئ أحلام الشباب ويضع الأمهات والآباء أمام اختيارات قاسية لا تليق بكرامة الإنسان.
لكن وسط هذا المشهد لا ينبغي أن ننسى أن الشعب السوداني عُرف عبر تاريخه بالتكافل والتراحم والكرم وأن النجدة عند الشدائد ليست غريبة على مجتمعه. نحن شعب تجمعه روابط الدم والأرض والمصير وما يجمعنا أكبر من أن تفرّقنا الظروف. وإذا كان العالم قد أصبح قرية صغيرة فإن السودان في محنته يحتاج إلى أن يكون مجتمعاً متماسكاً يشعر فيه الإنسان بأخيه ولا يترك فيه القادر المحتاج وحيداً في مواجهة قسوة الحياة.
ومن هنا تبرز مسؤولية الجميع المنظمات الإنسانية المحلية والعالمية والمؤسسات الرسمية والجهات الخيرية ورجال الأعمال والمبادرات الشبابية بل كل مواطن قادر على تقديم العون. فالمسؤولية ليست حكراً على جهة واحدة، ولا ينبغي أن ننتظر حتى تتفاقم المعاناة لنبحث عن حلول.
نحتاج إلى مبادرات جادة تصل إلى الأسر المتعففة وتبحث عن المحتاجين بعيداً عن الأضواء وتحفظ كرامتهم وخصوصيتهم وتوفر دعماً حقيقياً في مجالات الغذاء والعلاج والتعليم. كما نحتاج إلى آليات واضحة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها حتى لا تضيع حقوق المحتاجين بين الإجراءات والوعود.
ولعل أخطر ما يمكن أن نواجهه اليوم هو أن نعتاد مشاهد الفقر وأن تصبح معاناة الناس أمراً مألوفاً لا يحرك فينا ساكناً. فالمجتمع الذي يفقد إحساسه بوجع أفراده يفقد شيئاً من إنسانيته والوطن الذي يترك أبناءه خلف أبواب الحاجة لا يستطيع أن يبني مستقبلاً آمناً للجميع.
لسنا مطالبين بأن نكون جميعاً قادرين على حل الأزمة، لكننا مطالبون بألا نكون جزءاً من تجاهلها. قد تكون مساهمة بسيطة سبباً في توفير دواء لمريض أو وجبة لطفل أو إعادة طالب إلى مقعد الدراسة أو تخفيف عبء عن أم أثقلتها المسؤوليات.
رسالتنا اليوم أن نفتش عن المحتاج قبل أن يمد يده وأن نطرق أبواب البيوت التي أخفى أصحابها وجعهم خلف صمت طويل. فهناك أسر لا ينقصها العزّة، بل ينقصها من يشعر بها وهناك أطفال لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى فرصة تحفظ حقهم في الحياة والتعليم.
فلا تتركوا الفقر الصامت يتحول إلى مأساة صامتة ولا تجعلوا كرامة المتعففين سبباً في غيابهم عن حساباتنا.
فالسودان لن ينهض بالمباني وحدها بل بإنسانه ولن نعبر هذه المحنة إلا حين يشعر كل منا أن وجع الآخر يعنيه.

فخلف الأبواب المغلقة حكايات تستحق أن تُسمع وأرواحاً تستحق أن تُسند.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى