رواية غير منسية عن متقدم الكرمك ولواء الاحتياط…

استشهاد العميد الركن شوقار:

عقيد ركن م/ عائد أبو جنان

القائد الذي اشترى حياة جنوده بالدم ليعلمنا عمق التضحية

دافع عن الكرمك من الديسة والبركة ليظل في عين العاصفة

هُم الرجال ﺫﺍﻛﺮﺓ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﺣﺎﻓﻠﺔ ﺑﻤﺠﺎﻫﺪﺍﺕ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ وتضحياتهم ﻭﺗﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﻐﺎﻟﻲ ﻭﺍﻟﻨﻔﻴﺲ ﻟﻴﻨﻌﻢ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺑﺎﻷﻣﻦ والأمان.. اليوم فجعنا بنبأ استشهاد الدفعة الخلوق العميد ﺍﻟﺮﻛﻦ (عبد الرحيم شوقار)، صاحب الشخصية المتفردة المتفاني في خدمة الآخرين، ففيه ﺗﻜﺎﻣﻠﺖ ﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻭﺍﻟﺸﺠﺎﻋﺔ ﻭﺍﻟﺜﺒﺎﺕ ﻭﺍﻹﻗﺪﺍﻡ مع روح إﻧﺴﺎن منفرد حمل به هم كل الدفعة ساعيا لحل مشاكلهم.

قف يا زمن فاليوم الحديث عن شوقار يا سادتي الاخيار، ما ذا نقول عنهم يا سارية عجبا لهم زمرة من الآساد تنتظر المنون شدو آزار البطن صبرا للمنون باعوا الحياة رخيصة ربحوا بها بيعا طوبى لهم بيع ثمين.. لقد مضى شوقار إلى ربه بصبر جميل وحزن نبيل وقلب يضج بمعنى الرجولة، لذا تعثر خطو الحروف اليه وهاب القريض اليه مثولا، فمنه توهج هذي الحروف ومنه اقتباس المعاني الجميلة، فهو الجليل في كل النفوس وهو الفخار لكل الورى.. تقبلك الله اخي الذي احببته بصدق فى الخالدين.

كيف مضى شوقار.. ؟

في سجلات الشرف العسكري، تبرز أسماءٌ لا تُكتب بمداد الحبر، بل بنزف التضحية وطهر الثبات.. ومن بين هذه الأسماء المتلألئة في سماء السودان، يبرز اسم الشهيد “شوقار”، قائد لواء الاحتياط الذي لم يكن مجرد رتبة عسكرية تمرّ عبر الزمان، بل كان تجسيداً حياً لعقيدة “الفداء” التي تجعل من القائد درعاً لمرؤوسيه، ومن موته حياةً لوطنه.

خط الدفاع المتقدم من الكرمك

بدأت الحكاية من “الديسة”، حيث جُمِع لواء الاحتياط وتحرك صوب “البركة” ليكون خط الدفاع المتقدم عن “الكرمك”. هناك، وفي قلب الصدام، واجه العميد شوقار ورجاله هجوماً كاسحاً.. وفي تلك اللحظة الفارقة التي يختبر فيها القدر معادن الرجال، تجلى ذكاء القائد وإخلاصه؛ فأصدر أوامره بانسحاب كتائبه نحو “الكرمك” لتعزيز دفاعاتها، بينما اختار هو أصعب المهام: البقاء في عين العاصفة.

البقاء في عين العاصفة..

بقي “شوقار” مع ثلة قليلة (رئاسة اللواء وسرية) صامداً، ليؤخر تقدم العدو ويشتري لجنوده “الوقت” الثمين للوصول والتمركز.. لم يكن يدافع عن موقع جغرافي فحسب، بل كان يحمي أرواح المئات الذين وضعوا ثقتهم في قيادته.

دعوني احكي لكم حيلة “الرحيم” ووداع الأبطال

بينما كان غبار المعركة يملأ الأفق، كان جسد القائد يصارع عدواً آخر وهو مضاعفات مرض “السكر” التي أرهقت جسده ولم تنل من عزيمته.. وعندما أيقن أن حركته قد تعيق انسحاب من معه، وتجعلهم صيداً سهلاً، تجلت عظمة نفسه حين أمر جنوده بالرحيل وتركه، وعندما تمسكوا به وفاءً، استخدم “حيلة القائد الأب”؛ أخبرهم أن يسبقوه ليؤمنوا الطريق ويرسلوا له قوة للإخلاء.. كان يعلم في قرارة نفسه أن هذه هي “الوداعية الأخيرة”، لكنه أراد أن يطمئن على نجاتهم أولاً، وأن يضمن وصول سلاحه ومقتنياته العسكرية لتستمر في معركة الكرامة، مفضلاً أن يلقى الله وحيداً على أن يعرض حياة جندي واحد للهلاك.

إن هذا الفعل البطولي لم يكن وليد لحظة عابرة أو انفعال طارئ، بل هو الثمرة الناضجة لثلاثين عاماً من الجندية الحقة. “شوقار” لم يتعلم التضحية في تلك الليلة، بل عاشها طوال مسيرته، فكانت خاتمته انعكاساً لصدق سريرته.

رحل “شوقار” تاركاً خلفه درساً للأجيال: أن القائد الحقيقي هو من يرى في جنوده أبناءً، وفي موقعه أمانة لا تُسلم إلا بالدم. سيبقى اسمه في متقدم “الكرمك” وكل شبر من أرض الوطن، قصة تُحكى للصغار ليشبوا على الأنفة، وللكبار ليتعلموا كيف يكون الوفاء للقسم.

سلامٌ على “شوقار” في الخالدين، وسلامٌ على روحٍ لم تبالِ بالجسد حين نادى منادي الواجب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى