جغرافيا الانكسار: بين صخور السويس و”مسيرات” هرمز

بقلم: محمد عبد اللطيف هارون
يتحرك التاريخ أحياناً في مسارات لولبية صاعدة؛ تتشابه المشاهد في جوهرها، لكنها تتسامى في أدواتها وحدتها. فما أشبه الليلة بالبارحة، وما أقرب “مضيق هرمز” اليوم من “قناة السويس” عام 1956. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد ممرات مائية، بل عن “عصب العالم” الذي إذا ما ضُغط عليه، صرخت الإمبراطوريات وجعاً في عواصمها البعيدة. إنها اللعبة القديمة المتجددة: كيف تهزم الجغرافيا صلف القوة الغاشمة؟
في منتصف القرن الماضي، كان العالم شاهداً على مشهد سريالي؛ جمال عبد الناصر يواجه “الوحش الإمبراطوري” الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل). في الأسبوع الأول من العدوان، بدا أن التاريخ يُكتب بآلة الحرب الغربية؛ مئة طائرة مصرية سُحقت، وسماء القناة استُبيحت، ودبابات العدو تنهش رمال سيناء. ظن السير أنطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا وقتها ، أن النصر قاب قوسين أو أدنى، لكنه نسي قانون الجغرافيا الذي لا يرحم.
ببصيرة استراتيجية فذة، استدعى ناصر “سلاح العجز” ليصنع به نصراً؛ بضع عشرات من السفن التجارية الصدئة، مُلئت بصخور الأرض المصرية، وأُغرقت في الشريان الملاحي. في تلك اللحظة، تحولت حاملات الطائرات البريطانية إلى قطع حديد لا قيمة لها أمام “قناة مغلقة”. لم يسقط الجنيه الإسترليني بالرصاص، بل سقط حين اختنق عنق الزجاجة في السويس، لتبدأ معها جنازة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
اليوم، يعيد التاريخ إنتاج نفسه بـ “سمتٍ أعلى” وتقنيات أكثر تعقيداً. يشير المؤرخ “ألفريد ماكوي” بذكاء إلى أن العالم لا يرتكز إلا على سبع نقاط اختناق بحرية، واثنتان منها تقعان في قلب شرقنا الأوسط. واليوم، تلعب إيران بذات الورقة “الناصرية” ولكن بأسلوب القرن الحادي والعشرين. واشنطن، التي تزهو بجبروتها الجوي وقدرتها على سحق الدفاعات التقليدية في أيام، تجد نفسها أمام معضلة “الرد الرخيص المؤلم”.
فإذا كان ناصر قد استخدم “الصخور”، فإن طهران اليوم تستخدم طائرات “شاهد” المسيرة، تلك القطع التقنية التي لا تتجاوز تكلفتها عشرين ألف دولار، لكنها قادرة على شل حركة ناقلات النفط وإغلاق مضيق هرمز. إنها مفارقة القوة؛ حيث يعجز “الوحش الإمبراطوري” المعتمد على تكنولوجيا بمليارات الدولارات عن حماية شريان يضخ الحياة في اقتصاد العالم، أمام أدوات بدائية نسبياً لكنها قاتلة استراتيجياً.
وهنا يبرز السؤال الوجودي: هل تستطيع إيران الصمود أمام الإعصار الأمريكي؟ إن الموانع هنا ليست عسكرية صرفة، بل هي موانع “تقنية وجيوسياسية”. فالقوة المفرطة الأمريكية قد تدمر المدن، لكنها لا تضمن فتح الممرات المائية التي يمثل إغلاقها انتحاراً اقتصادياً جماعياً للغرب. أما عن إسرائيل، فالمعضلة تبدو أكثر تعقيداً؛ فإلى متى يمكن للجبهة الداخلية، المعتادة على الرفاهية، أن تصمد أمام استنزاف المسيرات والقصف المستمر وردات الفعل التي لا تنتهي؟
إن التاريخ يعلمنا أن القوة ليست دائماً في “من يملك السلاح الأكبر”، بل في “من يملك القدرة على تعطيل النظام العالمي”. لقد أثبتت التجربة أن الجغرافيا هي الثابت الوحيد في معادلة القوة، وأن نقاط الاختناق تظل هي المقصلة التي تُذبح عليها كبرياء الإمبراطوريات.. بالأمس كانت السويس بالصخور، واليوم هرمز بالمسيرات، ويبقى السؤال: من يجرؤ على كسر هذا “المسار اللولبي” للتاريخ؟



