حرب المختبرات: التحدي العلمي الإيراني وكسر احتكار “نادي الكبار”

بقلم المهندس:محمد عبداللطيف هارون*
هل أشعلت الولايات المتحدة فتيل الحرب ضد إيران فقط من أجل حماية مدللتها “سيدتها” إسرائيل، أم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير ويتعلق بجوهر الهيمنة العالمية؟ إن القراءة العميقة لما يجري في عام 2026 تكشف أن الحرب التي يقودها “ترامب” ليست مجرد نزاع حدودي أو تنفيذ للأجندة الإسرائيلية فحسب، بل هي محاولة يائسة لفرض “أبارتهايد علمي” يمنع دول الشرق من امتلاك ناصية المستقبل، ويهدف بالدرجة الأولى إلى تعطيل “المحرّك العلمي” الذي كسر احتكار القوى الكبرى للمعرفة السيادية. وفي هذا السياق، يبرز التحذير المدوّي للمحلل السياسي الأمريكي ستيف ليبولد، الذي أكد بوضوح أن “إيران هي فيتنام ترامب”، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية ترتكب ذات الخطأ التاريخي بالاستهانة بشعب استثمر في “العقل والوعي” كأدوات صمود، ومحذراً من أن الانزلاق في هذا المستنقع سيكون انتحاراً للمكانة الأمريكية العالمية.
ويرى الباحث البريطاني “ديفيد آيك” أن هذه المواجهة هي امتداد لفضيحة أخلاقية بدأت منذ “هيروشيما وناجازاكي”، التي لم تكن ضرورة عسكرية بقدر ما كانت “أكبر حقل تجارب بشري” لإرسال رسالة رعب للعالم، وهي ذات العقلية التي تُستخدم اليوم كـ “تشريع أخلاقي مضاد” يمنح واشنطن وتل أبيب الحق في تدمير مراكز الأبحاث الإيرانية تحت ذريعة منع الانتشار، بينما يغضان الطرف عن ترسانة نووية حقيقية في المنطقة. وبالانتقال إلى الواقع الرقمي، نجد أن الأرقام التي حققتها إيران قد هزت طمأنينة “نادي الكبار”؛ فقد استقرت طهران في المركز الرابع عالمياً في تكنولوجيا النانو، واحتلت المرتبة الـ 15 في البحث العلمي العالمي بإنتاج وصل إلى 27,500 بحث رصين في النصف الأول من عام 2024 وحده، ناهيك عن امتلاكها لـ 2000 براءة اختراع حالياً و31 قمراً صناعياً في مدار منخفض (LEO) كسر احتكار السماء. هذا الانفجار المعرفي هو ثمرة استثمار منهجي بنسبة 1.22% من الميزانية العامة لتعليم 17 مليون طالب مدرسة و6 ملايين طالب جامعي وفق برامج علمية مكثفة (STEM)، مما خلق “جيشاً من العقول” يرفض التبعية التقنية للغرب.
غير أن هذا الصعود العلمي يُقابله سقوط أخلاقي مدوٍ في السياسة الأمريكية، وهو ما فضحه السيناتور “بيرني ساندرز” أمام مجلس الشيوخ حين كشف عن إنفاق واشنطن لـ 22 مليار دولار كدعم عسكري لآلة حرب قتلت 18 ألف طفل فلسطيني في غزة، بينهم 1000 طفل أُزهقت أرواحهم وهم ينتظرون لقمة عيش في طوابير الجوع. هذا التناقض الصارخ يكشف أن واشنطن تقتل الطفل في مهده بغزة وتحاول قتل “العالِم” في مختبره بطهران، وهي السياسة التي فجرت “قنبلة ثقافية” داخل أمريكا نفسها؛ حيث صرخ “أرنولد شوارزنجر” مخاطباً “ترامب” بأن القوة الحقيقية تكمن في منع الحروب لا في القصف البربري للمراكز العلمية، بينما وصف “روبرت دي نيرو” الانجرار خلف الأجندة الإسرائيلية بأنه “خيانة للأمانة الأمريكية” ووصمة عار لن يمحوها التاريخ.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تشكلت جبهة تمرد أوروبية سيادية واضحة المعالم، حيث وصف الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” التوجه الأمريكي بـ “الرعونة الجيوسياسية”، مؤكداً أن فرنسا لن تضحي بأمن القارة من أجل “أوهام الهيمنة”. وفي لندن، جاء موقف رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” حازماً، حيث حذر من “التبعية التاريخية العمياء” وصرح بوضوح بأن بلاده لن تشارك في أي عمل عسكري يستهدف البنية التحتية العلمية لإيران، معتبراً أن أمن العالم يكمن في “التنافس العلمي الشريف” وليس في “الإبادة التقنية”. وانضم إليهما الزعيم الاشتراكي البلجيكي “بول ماغنيت” ، الذي رفض أن تكون بلاده “صندوق بريد” لأوامر واشنطن، محذراً من أن عسكرة الميزانيات لخدمة أجندة ترامب ستقضي على مكتسبات البحث العلمي والضمان الاجتماعي.
إن هذه المواقف الدولية والانتفاضات الثقافية، معززة بتحليلات “ليبولد وآيك”، تؤكد أن الحرب ليست مجرد صمود عسكري، بل هي “حرب على الوعي”، خاصة وأن إيران قد حصنت مجتمعها بإنتاج 90 ألف كتاب تنتجها دور النشر سنوياً وبناء منظومات ذكاء اصطناعي وطنية. وفي الختام، يظل صمود المختبر هو النبض الحقيقي للميدان؛ فالهدف من الهجوم على إيران هو وأد “عصر النهضة الشرقية” الجديد قبل أن يتحول إلى عدوى عابرة للحدود تنهي زمن القطب الواحد.
لقد سقطت ورقة التوت عن شعارات “الحرية” تحت أقدام الأطفال الجائعين في غزة، وتكشفت الحقيقة العارية بأن أمريكا تحارب من أجل بقاء الهيمنة لا من أجل القيم، لكن التاريخ يُعلمنا دائماً أن القنابل قد تدمر المباني، لكنها لا تستطيع محو براءات الاختراع المحفورة في العقول، وستبقى إرادة الشعوب في المعرفة والحياة أقوى من كل قنابل المليارات، وشاهدة على انكسار “نادي الكبار” أمام سطوة العلم والضمير العالمي.



