ملح الأرض/ “صوت” التعليم العالي

بقلم/ خالد ماسا
وعندما تطلق الحكومة رسالتها الرسمية عبر مسؤوليها وهي تخاطب المواطنين في ظرف كالذي يعيشه السودان الآن، بالضرورة فإن المواطن لديه سقف توقعات من الخطاب الحكومي، يرغب في أن يخاطب مشكلاته المستعصية واليومية، وهذا ما لم يكن محسوساً في خطاب السيد وزير وزارة التعليم العالي البروفيسور/ أحمد مضوي خلال زيارته الأسبوع المنصرم لجامعة بحري، والذي أكد فيه على ضرورة استمرار العملية التعليمية دون انقطاع، وإن كان الوزير ليس لديه تصور حول تحويل هذا التوجيه إلى واقع محسوس وتوفير مطلوبات الحد الأدنى لاستمرار العملية التعليمية، سوى الاستعانة بمنهجية الخطاب الحكومي، والتي عادة ما تهتم بما تريد الحكومات إيصاله، وليس ما يراد حله.
(*) الالتفاف حول مطالب عادلة ..
وبقدر ما أن لسان حال بيان العاملين بالجامعات الحكومية كان مبيناً وواضحاً في تحديد المشكلة التي تواجههم حالياً بسبب تداعيات الحرب، وبسبب طريقة الحكومة في الحلول فيما يخص قضية المرتبات، فإن “السيولة” في الحلول المطروحة في خطاب الوزير حول مسألة الهيكل الراتبي، والتي قال فيها ما لم يتم الاتفاق عليه بحسب زعمه بأنه لم يتم رفضه، واصفاً القول بعكس ذلك بالإشاعة، وأنه سيتم تطبيقه بالتدريج، والقصد هنا من حديث السيد الوزير هو أن يترك للتكتيك الحكومي “نفاجاً” تتنصل من خلاله من أي ضغط يمارسه تجمع العاملين، وأي ممارسة تصعيدية ربما تصل إلى حد الإضراب، وهو السلاح المدني المجرب من قبل العاملين في وجه المراوغات الحكومية، وتحاول هزيمته بأنصاف الحلول على شاكلة التدرج في تنفيذ الهيكل الراتبي.
عمد السيد الوزير في مخاطبته للعاملين بجامعة بحري إلى الاستناد على “عكازة” الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، مثله مثل أي مسؤول لا يعرف تقديم التزام حكومي واضح.
لا يملك السيد الوزير أي تصور حول ما سماه تحسين أوضاع العاملين، وكأنها الظروف المؤقتة والطارئة، والتي لم تمر عليها ثلاثة أعوام، دفع فيها العاملون تكلفة الحرب، وواجهوا فيها ظروفاً من المؤكد بأن السيد الوزير لا يعلم عنها شيئاً، ولا يملك التقدير الحقيقي لها، وأنه يرغب فقط في زيادة نقاط تقييم أدائه في مجلس الوزراء، ليقول بأنه وبأقل التكاليف قد قامت وزارته بتشغيل مؤسسات التعليم العالي، وأن “شطارته” في حيلة التدرج في تنفيذ الهيكل الراتبي قد انطلت على العاملين، وأنه بتصريحاته تلك قد يستطيع أن يكسر موجة “الإضراب” التي لوّح بها تجمع العاملين.
“الالتفاف” حول مطالب العاملين لن نحتاج في اكتشافه لكبير عناء، فتحليل لغة تغليب “المصلحة العامة” و”تحكيم صوت العقل” و”تفويت الفرصة” على المتربصين بأمن وسلامة الوطن، يوصلنا إلى حقيقة استخدام الوزير وسائل غير مشروعة للمزايدة على فصيل له سهمه ومواقفه الوطنية، والسعي لتجريم المطالب الحقيقية والمشروعة، لتبرئة ساحة حكومة عجزت عن حتى التفكير في الحلول، فاتجهت إلى خيار “شيطنة” المطالب ووضعها في خانة التأثير على أمن وسلامة الوطن، بل والاصطفاف في خانة المتربصين وأعداء الوطن، وهذا التفاف العاجز عن مواجهة مسؤولياته. وما من حق دستوري يعطي الوزير الولاية على توزيع صكوك البراءة الوطنية، وأن ما أشار إليه في مخاطبته هو محاولة التفاف وهروب واضحة من مواجهة المطالب بلغة، على الأقل، كان يجب أن يراعي فيها الوزير أنه يخاطب بها طبقة متعلمة وواعية وصاحبة التزام وطني، ولا يعني تعبيرها عن مظلمتها أنها ليست جزءاً من الاصطفاف الوطني في السودان، والوزير لا يملك “مسطرة” قياس وطنية لتجمع العاملين، وأن هذا الخلط المتعمد في التوصيف دلالة على سوء النوايا، الذي يجعل تصديق “مراوغة” التدرج في تنفيذ الهيكل الراتبي بعيدة المنال.
(*) نقطة الصفر “المتجمد” ..
التباعد الكبير بين لغة المطالب المشروعة لتجمع العاملين وصوتهم، واللغة “المراوغة” للوزارة، هو واقع ليس بالجديد في أعراف وتقاليد الخطاب الحكومي، وكثيراً ما قاد المواجهة بين طرفي الأزمة إلى نقطة الصفر و”الإضراب”، وبالتالي فإن الحلول والمنهجية المتبعة على الدوام من الجانب الرسمي تسد الطريق أمام الوصول إلى حلول سلمية ومقبولة للطرفين.
و”الماهية أُف .. عيشة هاك وكُف .. في هذا الزمن تُف يا دنيا تُف” .. ورمزية عم عبدالرحيم في قصيدة الراحل حميد هي التعبير المختصر لما جاء في بيان العاملين المطالب بتطبيق المنشور الصادر من مجلس الوزراء وديوان شؤون الخدمة المدنية، والخاص بتعديل الفقرة (8) من منشور هيكل 2022م، وذلك باحتساب البدلات (بدل لبس + بدل لبس) وعلاوة طبيعة العمل ومنحة العيدين بالأجر الأساسي، بدلاً من العمل بمنشور 2020م، وبأثر رجعي اعتباراً من 1 أكتوبر 2022م، وفقاً لما نص عليه القرار.
تتغطى الحلول التي يقدمها السيد الوزير بغطاء الأيام، اعتقاداً منه بأنها تستطيع أن تستر عورة التهرب من مخاطبة جملة المطالب التي تم الاتفاق عليها، بتنفيذ التعديلات على عدد من البدلات الواردة في توصيات لجنة الوكلاء التي شكلها الوزير السابق، والعمل على تحسين بيئة العمل، وصرف جميع متأخرات العاملين طرف الوزارة، وهذه الطريقة ستجر بالضرورة النقاش بين الوزارة والأجسام الممثلة للعاملين في التعليم العالي إلى نقطة الصفر “المتجمد” والإضراب، وتعطيل مسيرة العملية التعليمية، وضياع المزيد من وقت الطلاب المهدَر أصلاً بسبب الحرب.
هذا الموقف لا ينفصل عن حالة “الخذلان” التي يمثلها موقف إدارات الجامعات الحكومية بالانحياز للمزاج الحكومي، والحديث بلسان اكتمال كل تجهيزات استمرار العملية التعليمية من صيانة للبيئة وإعادة التأهيل، في انحياز واضح لا يعبر عن التقدير للأوضاع المعقدة التي فرضتها الحرب على العاملين، وجعلت جملة مطالبهم منطقية وموضوعية وعادلة.
في النهاية تريد الحكومة لعجلات العملية التعليمية أن تدور، ويعمل نظامها بالحد الأدنى من الالتزام، ودون أي مراعاة للإنهاك الذي تعانيه “تروس” ماكينات هذا النظام.
منطقياً فإن النظر إلى عملية “الإضراب” التي تم التلويح بها في وجه الوزارة على أساس أنها “تهديد” يجب ردعه وتفكيك تماسكه من باب “الفهلوة” الوزارية هو هروب إلى الأمام من الأزمة، وما هو إلا نتاج لاختلالات أعمق من فكرة تكتيك للوزارة في مقابل تكتيك تجمع العاملين، فالحكومة ممثلة في الوزارة لا يمكنها أن تعمي بصرها عن حالة “التضخم” المستفحلة التي يعيشها الاقتصاد السوداني، والتي تلف حبل مشنقتها حول رقبة راتب الأستاذ الجامعي وتسحب كرسي الحياة من تحت قدميه.
من أشار على الوزير بحيلة “التدرج” في تنفيذ الهيكل الراتبي لم يكلف نفسه دقيقتين في “حبكة” الحيلة، ويعرف بأن الأحكام التي يفرضها التضخم على القيمة الشرائية للراتب تؤدي لتآكله وضياع فكرة الهدف الأساسي من الهيكل الراتبي الذي يحفظ كرامة الأستاذ الجامعي.
يجب على الحكومة أن تُرخي “أضانها” حتى تسمع صوت العاملين بالتعليم العالي، وألا تركن لتقارير وتصريحات الاطمئنان الوزارية، لأن ذلك يراكم عليها الأزمات ويفاقم الأوضاع ويفقدها الثقة التي تحتاجها مع المواطنين.
تحميل أساتذة الجامعات مسؤولية تأثر الطلاب وعامهم الدراسي بالإضراب فيه “ابتزاز” غير حميد، وتنصل من المسؤولية حقيقة عن تفاقم الأزمة ووصولها لهذا الحد. وصحيح أن الحرب عامل أساسي ومؤثر في قلة إيرادات خزانة الدولة، والتي تؤثر بالضرورة على الوفاء بالتزامات الرواتب والحقوق، إلا أنه من الواجب ألا يتم اتخاذها كغطاء للهروب من تحمل مسؤولية حقوق العاملين، وأن الأزمة في حقيقتها ليست أزمة أجور للعاملين، بل هي أزمة أولويات ترى فيها الحكومة بأن العاملين في التعليم العالي ورواتبهم ومطالبهم المشروعة ليست من ضمن أولوياتها المستعجلة.
بالمقابل، فإن الحكومة التي تنظر بحلولها الكسولة لمثل هذا النوع من الأزمة تحت قدميها، لن تستوعب الآثار بعيدة المدى لهذه الأوضاع، التي دفعت كادر الخبرة والتخصص للهجرة والبحث عن فرص أفضل تعطيه التقييم المادي والاحترام المعنوي، وكل ذلك على حساب جودة التعليم العالي في السودان وجودة مخرجاته، التي تعاني أصلاً حتى قبل اندلاع الحرب، وما يحدث منذ اندلاع الحرب وحتى انسداد أفق الحلول في قضية الهيكل الراتبي يمكن وصفه بحالة “النزيف” في وريد مؤسسات التعليم العالي.
الحلول من شاكلة إعلان جداول الامتحانات هي حلول “كذوبة”، ولا تعني الاستقرار المهني، و”الإضراب” سيكون هو صوت العاملين “العالي” الذي ستسمعه الحكومة من قطاعات كثيرة في الشعب السوداني تتململ الآن كثيراً من حالة “الكسل” الحكومية وتقاعسها في الاضطلاع بمسؤولياتها.



