“البطل مستر محبوب الهاشمي في حضن الوطن”

​بعد رحلة من الصبر الاستثنائي و الصمود الأسطوري و بعد أكثر من ثلاث سنوات عاد إلى أرضه وأهله سالما معافا مستر محبوب الهاشمي.

عاد بعد ثلاث سنوات قضاها مرابطا في قلب المعاناة وقائدا “لمستشفى الصمود” مستشفى الفاشر ، عاد اليوم رجل نذر نفسه للواجب حين عز النصير و بلغت القلوب الحناجر و زلزلت الأقدام فقدم ملحمة من البذل سطرها بصبر ايوبي لا يعرف الكلل .

​مستر محبوب وقف على هرم المستشفى في ظرف لا يجرؤ الخيال على تصور تعقيداته وقف لا كقائد فحسب بل كربان سفينة يصارع العوائق الجمة فرأينا كيف يدير المستشفى بحكمة الشيوخ و عزيمة الشباب و يخطط ببراعة فائقة لإنجاز الأهداف المستحيلة، ويستنبط الحلول الإدارية والجراحية المبتكرة من رحم العدم.

و حين كانت تنقص الأدوات كان إبداعه هو الأداة، وحين كان يضيق الخناق كانت نظرته البعيدة هي المخرج.

لقد كان يدير الأزمة بروح القائد الذي لا يرى العوائق، بل يرى الحلول، مؤمنا بأن الدور الذي نلعبه كقادة في هذا الظرف الاستثنائي و كأطباء يعتمد عليهم في حفظ الحياة والروح المعنوية، هو أمانة لا تقبل القسمة على الظروف ولا تقبل الأنانية، ولا تقبل إلا أن نجعل الوطن فوق كل شيء.

​لقد كان مستر المحبوب معديا بتفاؤله و في اللحظات التي كاد فيها اليأس أن يطرق القلوب، كانت ابتسامته العريضة وكلماته الواثقة هي الدرع الذي يحمي من الاكتئاب والتخاذل.

مستر المحبوب لم يكن يجري مئات العمليات الجراحية بيد بارعة فحسب، بل رأينا كيف يجسد الإيثار في أبهى صوره و يقدم راحة من هم تحت قيادته على راحته، و ها هو اليوم آخر العائدين إلى أهله بعد أن اطمأن أن الجميع وصل سالما.

رأيناه يقف كالجبل الأشم أمام المخاطر الجمة التي أحاطت بنا من كل جانب، ليبقى هو صمام الأمان الذي نستمد منه القوة.

​والأعجب من ذلك كله، أنه و برغم أزيز المسيرات ودوي المدافع و ضيق الوقت، لم يتخل يوما عن رسالته كمعلم و عن حبه للتدريس و البحث العلمي؛ و في هذه العتمة و تحت هذه الظروف حصل على زمالة الكلية الأمريكية للجراحين في تخصص العظام كما حصل على دبلوما معتمدة من جامعة أكسفورد البريطانية في علم أورام العظام ثم ألحقها بأخرى في جراحة وأمراض المخروقة، و تلقى الكثير من دعوات المشاركة في المؤتمرات العالمية.

كما كان يقيم المحاضرات العلمية والكورسات التدريبية للأطباء والنشأ من الكوادر الطبية، غارسا في عقولهم أن العلم لا يتوقف، وأن تطوير الذات هو معركة لا تقل أهمية عن معركة الكرامة كأنه كان يصر على بناء الإنسان في وقت كان كل شيء من حولنا يؤول للزوال، ليثبت للجميع أن إرادة الروح أقوى من جبروت الظروف.

​لقد صبر و صابر، و تحمل مشاق الصمود و كذلك طريق العودة الطويل دون أن تلين له قناة أو تنكسر له عزيمة.

أقول هذا و شهادتي فيه مجروحة ، فقد كنت قريبا منه في تلك الأيام العجاف، كان فيها معلما تعلمت منه الكثير و جمعتني به صداقه و اخوه اتشرف بها وما رأيت منه إلا جبلا من الصبر، وقلبا يتسع للجميع ورمزا وطنيا مخلصا ومثالا يحتذى به ويستحق التكريم.

​عودة حميدة مستر محبوب و تقبل الله جهدك وجهادك وجعله لك زادا ونورا في الدنيا والآخرة و جزاءك الله عنا خير الجزاء.

د. علي الزبير عكاشة – نائب جراحة العظام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى