منى ابوزيد تكتب : في المسافة الفاصلة..!

هناك فرق..

“الفلسفة أعمق من الأدب لأنها تدرك أن الأدب أعمق منها”.. نيتشه..!

الإنسان لا يعيش حياة واحدة كاملة، هو في الغالب يعيش نسخاً متعددة من نفسه، يختار ويفاضل بينها وفقاً لطبيعة الظروف واختلافات المواقف. هذه الفكرة تتجلى في صورتها الفجة – “صورة الإنسان الذي يختار الكذب صراحة لتحسين الحقيقة، وتهذيبها، وإعادة ترتيبها، حتى تصبح قابلة للمرور في الحياة دون خسائر كبيرة” – عند إحسان عبد القدوس في روايته التي جسدها الراجل أحمد زكي في فيلم “أنا لا أكذب ولكن أتجمل”..!

التجمل هنا ليس فعلًا عابراً بل فلسفة كاملة في فنون التعايش الاجتماعي، طريقة ناعمة للقول إن الحقيقة وحدها، كما هي، قد لا تكفي دائماً كي نُقبل، أو نُحب، أو حتى نُفهم. ومع الأداء السينمائي المكثف عند أحمد زكي، تتحول هذه الفكرة إلى كائن حي” توتر داخلي ظاهر في النظرات قبل الكلمات، وصراع صامت بين ما يُقال وما لا يقال”، وكأن الإنسان في لحظة ما لا يعود يملك رفاهية أن يكون شخصاً واحداً فقط..!

ومن هنا، يبدأ الامتداد الطبيعي للفكرة

من تجميل الحقيقة إلى تجميل الذات نفسها، بحيث

لا يعود الأمر مجرد تعديل على ما نقوله، بل تعديل على ما نظهر به أصلًا. على أعتاب النضج تبدأ العملية بهدوء، دون إعلان، فنختار كلمات أقل حدة، وردوداً أكثر توازناً، ولغة جسد أكثر اتساقاً مع الكلمات، ونبرات محايدة. ثم، شيئاً فشيئاً تتشكل النسخة المنقحة التي نُقدّمها للعالم. نسخة لا تُربك أحداً ولا تصطدم بأحد، ولا تُظهر ما يكفي منّا كي تكون حقيقية بالكامل..!

بينما تبقى حبيسة الداخل تلك النسخة الأقل ترتيباً وجاذبية لكنها أكثر صدقاً وشجاعة وتصالحاً مع ذواتنا الحقيقية. وفي المنتصف، تنشأ تلك المسافة الدقيقة الفاصلة بين ما نُظهره وما نعيشه حقاً. ونحن في الغالب الأعم لا ننتبه كثيراً لتلك المسافة، فنجتهد لكي نبدو بخير بالقدر الكافي، ثم نعود إلى وحدتنا دون تفسير واضح لذلك التعب الذي لا يشبه الأحداث التي نعيشها..!

ولكن في لحظات نادرة، غير محسوبة، تتوقف هذه العملية كلها، لأن قدرتنا على الاستمرار في التوازن المصطنع تنخفض فجأة. وهنا فقط تظهر حقيقة الإنسان فينا دون تنسيق أو مراجعة، ودون مراعاة لمواصفات تلك النسخة المُعتمدة والمعدة سلفاً للعرض..!

تلك اللحظات النادرة تكشف حقيقة بسيطة، لكنها ثقيلة “المشكلة ليست في امتلاكنا لنسخة نُظهرها للعالم، بل في تلك المسافة التي تتسع أو تضيق بين هذه النسخة، وبين ما نعيشه حقاً في دواخلنا”، وكيف وكم أن تلك المسافة كلما اتسعت أصبحنا أكثر براعة في العرض، وأقل قدرة على العيش بالوضوح الكامل.

وكلما ضاقت اقتربنا من ذلك الشعور الهاديء بالطمأنينة، حتى إن لم يكن العرض مثالياً، وحتى إن لم يكن منظماً ومنطقياً بما يكفي لكي يصلح للعرض..!

قد تبدو المسألة سجالاً فلسفياً بين نسخة كاذبة وأخرى صادقة، أو بين ظاهر وخفي فقط، لكنها في حقيقتها البسيطة حوار بين حيوات حقيقية تُعاش بالكامل وحيوات تُقدَّم على شكل نسخ قابلة للاستهلاك. وفي لحظات الوقوف في المسافة الفاصلة بينهما يتعلم الإنسان أن العودة إلى الذات هي رحلة محاولات مستمرة لكي لا يضيع تماماً بين تلك النسخ المتعددة التي تعلم مرغماً كيف كونها!.

munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى