“الضرائب.. موازنة الحكومة لا تكذب ولكن تتجمل”

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ومع شروق شمس كل يوم في السودان، يصدر من القرارات والإجراءات ما يؤكد بأن “جراب” الحاوي الحكومي لا يزال مملوءًا بحبال يتم لفها حول رقبة المواطن السوداني، وأن الولاية الحكومية وسيادة قرارها ليست على ما يرام، وأننا موعودون بفاصل آخر من مسرحية التنازع في القرارات السيادية والمحلية، كالذي شاهدناه في عرض مسرح معبر “أرقين”، والذي اكتفت فيه السلطة بقرارات السيد/ كامل إدريس، رئيس الوزراء، بإلغاء قرار كان وراءه موظف محلية صغير، ربما لم يقرأ في الموجهات العامة التي أعلن بها وزير المالية موازنة العام 2026م، أو بالأحرى كان يعلم بأن ما جاء في الإعلان الرسمي تنتهي صلاحيته مباشرة بانتهاء التصريحات الوزارية، والتي تتجمل بنوعية ما قاله السيد/ جبريل إبراهيم بعدم فرض ضرائب جديدة في موازنته التي لا يعلم عنها أحد شيئًا سوى بضع مساحيق للتجميل لوجهها القبيح.
(*) تفلت ضريبي .. كلاكيت تاني مرة ..
لك أن تتخيل، عزيزي القارئ، بأن القرار الإداري بالرقم (23) للعام 2026م قد صدر من السلطات “المحلية” بولاية البحر الأحمر الجمعة الماضي، بإقرار زيادات جديدة على نقل الحاويات من ميناء بورتسودان، تراوحت هذه الزيادات الضريبية بين 4 ملايين جنيه كحد أدنى و20 مليونًا في حدها الأعلى للحاوية (20 قدمًا).
ولو عدنا بذاكرتنا القصيرة للكلاكيت الأول في تفلتات القرارات ذات الطبيعة الاقتصادية غير المنضبطة بالموجهات العامة التي قال بها السيد وزير المالية، في ما ذكرناه، هو قيام السلطات المحلية بحلفا بفرض رسوم على البصات التي تقل العائدين عبر معبر أرقين للسودان. وقلنا إن السلطة المحلية في حلفا، وبحكم البعد الجغرافي عن مركز القرار الاقتصادي، ربما قد منعها ذلك من سماع الموجهات الحاكمة للموازنة بشكل جيد، أو أنها كانت قد سمعتها، ولكنها رأت بأن تحصيل الرسوم من مواطنين لاجئين خارج السودان مدة الحرب – بالتأكيد – لم يسمعوا شيئًا عن موازنة دولتهم التي عادوا إليها، وبالتالي فإن عبور معبر أرقين يستحق أن يدفع المواطن ضريبته دون أن تسمع خزانة الدولة المركزية بهذه الفوضى الضريبية.
ما حدث في معبر أرقين لم نسمع أن السيد رئيس الوزراء، وبعد أن ألغى الرسوم، قد أتبع ذلك بتشكيل “لجنة تحقيق” مع الجهة التي خالفت موجهات كان من الواجب الالتزام الصارم بها، بل كان من الواجب أن ترسل وزارة المالية مراجعيها للتحقيق حول أين ذهبت الأموال التي تم تحصيلها في الفترة من تاريخ فرضها على البصات التي دخلت معبر أرقين وتاريخ صدور قرار رئيس الوزراء بالإلغاء. وبما أن هذا لم يحدث، فإن سلطات الضرائب بولاية البحر الأحمر قررت أن تجرب حظها من هذا الخروج على موجهات الموازنة العامة بعدم التوسع “رأسيًا” في الضرائب في موازنة العام، وأعلنت القرار رقم (23)، وهي الأقرب من مركز القرار، ويطمئن قلبها بأن أقصى ما يمكن أن يحدث هو أن يصدر السيد رئيس الوزراء قرارًا آخر بالإلغاء، يُجمل به ما جاء في القرار، وربما يفرغ بعض المسؤولين، على كثرتهم في مكتبه، أو تشكيل إدارة معنية بملاحقة القرارات الصادرة من السلطات المحلية بمخالفة القرار المركزي وإلغائها، أو تذكير من يقوم بإصدارها بضرورة إظهار بعض من الاحترام لموجهات الموازنة العامة، وأنه لا يجوز إظهار القرار الحكومي بمظهر الكذب أمام المواطنين.
من يسمع السيد وزير المالية في تصريحاته حول الموازنة “المعجزة”، بحسب التعبير الصادر من رئيس الوزراء لحظة إجازتها، وهو يقول إن إيرادات عام 2025 تجاوزت التقديرات بنسبة أداء بلغت 147%، في ظل تقدم ملموس في إصلاحات المالية العامة والرقمنة، مع الالتزام بتمويل قطاعات الزراعة والتعليم والصناعة، وتأهيل الخرطوم ومطارها، ودعم برامج الضمان الاجتماعي، يطرح السؤال حول ما هو تعريف الوزارة لمصطلح “إصلاحات مالية”، إن لم يكن من ضمن تلك الإصلاحات التزام السلطات المحلية بضوابط وموجهات ذكرت في الموازنة نصًا؟ بل وفي أي خانة يمكننا أن نضع هذا النوع من القرارات التي تصدر يومًا بعد يوم تحت بصر الحكومة المركزية، غير أنها عدم التزام بالإجراءات الإصلاحية في الجانب المالي للحكومة؟
لا يوجد موظف في حكومة موازنة “المعجزة” ليس لديه في رقبة الدولة “دين” عبارة عن متأخرات رواتب امتدت لشهور، بالإضافة إلى إيقاف حوافز وعلاوات كثيرة بحجج الحرب وغيرها. والمعلوم في كل العالم أن الضرائب المفروضة تقدم الحكومة في مقابلها ما هو أكبر من البند الأول، وهو المرتبات، عبارة عن خدمات صحة وتعليم وأمن. وبما أن “عضمة” لسان الوزارة كانت قد ذكرت بأن الإيرادات الحكومية قد فاقت التقديرات بما يساوي نسبة 147% في العام 2025، فما هو المقابل الذي يمكن أن يقتنع به المواطن بأن الزيادات الضريبية التي تصدر بشكل يومي ومن جهات متعددة يمكن أن تعود إليه يومًا كمتأخرات رواتب أو خدمات؟
لم تكن وزارة المالية في حاجة إلى أن تتجمل في موازنتها “مخفية” التفاصيل بالحديث عن تحقيق نسبة نمو اقتصادي تصل إلى 9% وخفض أرقام التضخم إلى خانتين، لأن هذا “مكياج” من النوع الرخيص لن يصمد كثيرًا في مواجهة مناخ تفلتات القرارات المحلية الساخن، والذي يفسده ليبين الوجه القبيح للأداء المالي والاقتصادي لحكومة استلفت مفهوم “الأمل” في تسميتها لتقتله في نفس السودانيين.
(*) من هم المتأثرون بهذا القرار؟
“ديناميكا” الاقتصاد السوداني ليست معقدة، وليس بها معادلات يصعب فهمها؛ فالضريبة بالزيادات الجديدة في ولاية البحر الأحمر على قطاع النقل والترحيل قد يُفهم ابتداءً بأنها سيتحملها العاملون في هذا القطاع، إلا أن هذا ليس الواقع كله، بل سيتحملها المواطن الذي باتت سلعُه الاستهلاكية واحتياجاته تعتمد بنسبة كبيرة على البضائع التي تدخل عبر ميناء بورتسودان، وأن أي زيادة في تكاليف النقل والترحيل تعني زيادة في الأسعار وغلاء السوق.
تصريح وزارة المالية بتوسيع المظلة الضريبية قد يُفهم منه سعيها لملاحقة التهرب الضريبي وشمول ولاية وزارة المالية وإجراءاتها على كل الأنشطة الاقتصادية خارج نطاق تغطيتها، بما يضبط الأداء المالي ويزيد موارد الخزانة المركزية. وبالمقابل، لن يتضرر المواطن العادي من التصاعد الرأسي للضرائب لتكون عبئًا إضافيًا عليه في زمن الحرب. ولكن يبدو أن وزارة المالية كانت في حاجة أكثر إلى أن تشرح للجهات والمؤسسات التابعة لها مفهوم توسيع المظلة الضريبية، والفرق بين التوسع الأفقي والرأسي في الضرائب، وذلك لأن حادثتي معبر أرقين وضرائب ولاية البحر الأحمر تقعان ضمن خارطة التوسع الرأسي لمظلة الضرائب. وبالتالي، نحن هنا محتاجون لإجراء مراجعات على مستوى قرارات وزارة المالية وموازنتها، وليس قرارات لاستدراك آثار القرارات المحلية على المواطن.
يتضرر المواطن من فصيلة هذه القرارات أيما ضرر، ولا يجد الإجابة على سؤال: هل الضرائب في الأصل تُستخدم في تمويل الخدمات أم في تمويل البقاء السياسي للحكومة وتحسين صورتها بقرارات غير قابلة للتنفيذ؟
في يوليو من العام المنصرم، كان السيد/ جبريل إبراهيم، وزير المالية، قد بشرنا بتعزيز وتقوية قدرات ديوان الضرائب عبر حزمة إجراءات، أهمها إكمال النظم المحوسبة والتحصيل الإلكتروني. ولو أننا لم نتعامل مع هذه التصريحات على أساس أدوات “تتجمل” بها التصريحات الوزارية، فإن الوقائع التي يشهد عليها أي عبور في المعابر والطرق العامة ستكذب أي شيء، ونحن نرى الطرق البدائية التي يتم بها تحصيل الرسوم والضرائب وسهولة الالتفاف عليها لصالح الفساد والتهرب الضريبي.
أما الحديث عن رفع الوعي العام لدى المواطن بأهمية الضرائب، فإن هذا ادعاء لا يتسق مع الشعور العام لدى المواطن بأن الضرائب التي تفرضها الحكومة، متى ما عجزت عن أداء مهامها الأصيلة، عبارة عن حرب ومعركة بينه وبينها، وأنها، ومع سبق الإصرار والترصد، تلاحقه في رزقه ومعاشه اليومي بعينات مختلفة من نوعية القرارات التي صدرت قبل ذلك في معبر أرقين، وصدرت لاحقًا من سلطات ضرائب البحر الأحمر، وبالضرورة أن تتوقف حزمة هذه القرارات طالما أنه لا يوجد رقيب ولا حسيب على هذه التجاوزات.
حتى التصريحات الصادرة من الأمين العام لديوان الضرائب، لتجميل التصريح الحكومي مبشرًا باكتمال “الربط الشبكي” بين الديوان والسجل التجاري والجمارك وبنك السودان المركزي، تدفعنا للسؤال: هل سد الديوان كل الثغرات أمام التسرب والتهرب الضريبي؟ لأن الحكومة لو أنجزت هذا الواجب لن تكون مضطرة لهذا التناسل في القرارات التي تضيق على معاش المواطنين وتفقدهم الثقة في الأداء المالي والاقتصادي للحكومة.
ما تفعله هذه القرارات هو أنها تعكس اجتهاد الحكومة عبر أجهزتها ومؤسساتها في رفع كفاءة “الجباية”، وليس الاجتهاد في الإصلاح الاقتصادي.
قراءة التراجع المريع في خدمات الصحة والتعليم وخدمات الكهرباء والمياه، في مقابل التوسع الرأسي المستمر في السياسات الضريبية، تشرح القبح في الأداء المالي والاقتصادي في الدولة السودانية، وتؤكد أننا في حوجة ماسة، ليس لمراجعة وإلغاء قرارات يصدرها وينفذها موظفون في مستويات أقل في السلم الحكومي، بل نحن بحاجة إلى إجراء جراحات حقيقية في هيكل الاقتصاد السوداني تنقل الأداء فيه من الورق إلى معاش الناس والتزامات الدولة تجاه مواطنيها.



