في رحيلِ قطبِ الدعوة ورمزِ الإصلاحِ ووعاءِ الحكمة

كلمات في وداع الرجل الأمة فضيلة الشيخ المربي الخليفة "الطيب الجد ود بدر"

د. عصام البشير

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلوبٍ يعتصرها الحزن، ونفوسٍ يجلّلها الرضا بقضاء الله وقدره، تلقّينا نبأ رحيل فضيلة الشيخ الخليفة الطيب الجد ود بدر – رحمه الله تعالى – الذي انتقل إلى جوار ربه في العاصمة المصرية، بعد عمرٍ مديدٍ أفناه في العلم والعمل والتربية، ومسيرةٍ عامرةٍ بالبذل والإصلاح والبناء، تركت أثرها العميق في السودان، وامتد صداها إلى آفاقٍ أوسع في محيط الأمة.

لقد كان الشيخ “الطيب” – رحمه الله – شخصيةً جامعةً بين العلم الشرعي الرصين، والقيادة الروحية الصوفية الواعية، والحضور المجتمعي المؤثر، فاجتمعت فيه خصالٌ قلّ أن تجتمع في رجل: فقيهٌ في فهمه، مربٍ في سلوكه ودعوته، ومصلحٌ في مواقفه.

نشأ – رحمه الله – في بيتٍ عريقٍ في العلم والدين، فهو سليل أسرة “ود بدر” التي شكّلت عبر التاريخ أحد أعمدة الحياة الدينية والوطنية في السودان، وامتد أثرها منذ الشيخ “العبيد ود بدر”، أحد رموز النضال والتحرير في السودان، فشبّ الشيخ الطيب في بيئةٍ صوفيةٍ أصيلة، مزجت بين صفاء التربية الروحية، ورسوخ العلم الشرعي، فحفظ القرآن الكريم، وتفقّه في الدين، ونهل من علوم الشريعة على مذهب الإمام مالك، حتى استوى له البناء العلمي، واتّسق مع سموّ السلوك الروحي.

ولم يقتصر عطاؤه على المجال الديني، بل امتد إلى ميدان القضاء، حيث التحق بالسلك القضائي، وتدرّج في مناصبه حتى بلغ أعلى مراتبه، فكان قاضيًا بالمحكمة العليا في السودان، وقد عُرف – رحمه الله – بأنه أحد رموز العدالة، ممن جعلوا من القضاء رسالةً لا وظيفة، ومن الحكم أمانةً لا سلطة، فكان مثالًا للقاضي الذي يُجسّد روح الشريعة، ويصون حقوق الناس، ويقيم العدل بينهم.

كما كان – رحمه الله – عضوًا مؤسسًا في مجمع الفقه الإسلامي السوداني، فشارك في ترسيخ الاجتهاد الجماعي، والإسهام في معالجة قضايا العصر بمنهجٍ يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويوازن بين نصوص الشرع ومقاصده، فكان من رجال الفقه الذين أدركوا طبيعة المرحلة، وأسهموا في توجيهها توجيهًا رشيدًا.

ثم تولّى – رحمه الله – خلافة السجادة القادرية في السودان، ذلك المعلم الروحي الكبير الذي ظل عبر السنين منارةً للعلم والذكر، وملاذًا للناس في شدائدهم، فحمل الأمانة كما حملها آباؤه، وزاد عليها من جهده ووقته وروحه، حتى أصبحت في عهده مدرسةً حيّةً للتربية والإصلاح، ومركزًا للوئام الاجتماعي، ومنبرًا لنشر الوسطية والاعتدال.

وقد عُرف الشيخ الطيب الجد – رحمه الله – بأنه “رجل الإصلاح”، إذ جعل من مسجده ملاذًا للصلح بين القبائل، ومأوى للمتحاكمين، وجسرًا للتواصل بين المتخاصمين، فسعى في رأب الصدع، وجمع الكلمة، وإحياء معاني الأخوة، في مجتمعٍ أنهكته النزاعات، وأثقلته الانقسامات.

ولم يقف عند حدود الإصلاح الاجتماعي، بل امتد دوره إلى الهمّ الوطني العام، خاصة في السنوات الأخيرة التي عصفت فيها الأزمات بالسودان، فتصدر المشهد بحكمة العالم، وبصيرة المصلح، وأطلق مبادرات للوفاق الوطني، داعيًا إلى جمع الصف، وتجاوز الخلافات، واعتماد الحل السوداني الداخلي، بعيدًا عن الإملاءات والصراعات، فكان صوته صوت العقل في زمن الضجيج، وصوت الحكمة في زمن الاستقطاب.

وقد جمع – رحمه الله – في منهجه بين الوسطية الصوفية الأصيلة، والوعي الواقعي الرشيد، فكان بعيدًا عن الغلوّ والتطرف، كما كان بعيدًا عن التمييع والتفريط، يؤثر الرفق، ويقدّم الحكمة، ويغلب جانب الإصلاح، حتى كسب احترام مختلف التيارات، وتقدير عموم الناس، على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم.

ومع هذه المكانة الرفيعة، ظل – رحمه الله – نموذجًا في التواضع والزهد، قريبًا من الناس، قائمًا على خدمتهم، حريصًا على قضاء حوائجهم، يطعم الطعام، ويؤوي الغريب، ويكرم الضيف، كأنما يترجم بفعله معاني التصوف الحق، الذي يقوم على خدمة الخلق، لا مجرد الأقوال والشعارات.

لقد كان – رحمه الله – امتدادًا نقيًا للإرث الصوفي السوداني الذي جمع بين العبادة وخدمة المجتمع، وربط بين تزكية النفوس وبناء الأوطان، فجعل من المحبة والرحمة أساسًا للعلاقة بين الناس، ومن العلم والعمل سبيلًا لإحياء الأمة.

وإن رحيل هذا الرجل الكبير ليس فقدًا لشخصٍ فحسب، بل هو فقدٌ لمدرسةٍ في العلم، ومنهجٍ في الإصلاح، وتجربةٍ في الجمع بين الدين والدولة، وبين الروح والمجتمع، وهو ثُلمةٌ في جسد السودان، وخسارةٌ للأمة التي أحوج ما تكون إلى أمثال هؤلاء الحكماء الربانيين.

وإننا إذ ننعى هذا العلم من أعلام السودان، لنتقدم بخالص التعازي والمواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى أهل السودان كافة، وإلى الأمة الإسلامية جمعاء، سائلين الله أن يجبر كسرهم، وأن يخلفهم خيرًا، وأن يربط على قلوبهم بالصبر والسلوان.

نسأل الله عز وجل أن يتغمد الشيخ الخليفة الطيب الجد ود بدر بواسع رحمته، وأن يرفع درجته في عليين، وأن يجعل ما قدّم من علمٍ وإصلاحٍ وخدمةٍ في موازين حسناته، وأن يبارك في ذريته وتلاميذه ومحبيه، وأن يُبقي أثره حيًا في الناس.

اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وألحقه بالصالحين المصلحين في جنات النعيم.

{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}

والحمد لله رب العالمين.

د. عصام أحمد البشير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى