منى ابو زيد تكتب : ما كُنَّا نعرفة وما يتَشكَّل اليوم..!

هناك فرق..
“أقسى ما في التحولات الكبرى أنها لا تستأذن أحداً ولا تشرح نفسها لأحد”.. الكاتبة..!
في هذه المساءات المثقلة بأخبار الدمار، يتنقل معظم سكان العالم اليوم بين القنوات بترقب، يتابعون خرائطاً تتحرك، وأسهماً تهتز، ووجوه محللين تختلف ملامحها وقراءاتها. العالم الذي نعرفه يتبدل بهدوء، والمشهد أكبر من صواريخ ومسيرات تتقاطع في السماء. وهنالك شيء أعمق يتشكل، كأن النظام الدولي نفسه يعيد ترتيب ملامحه، قطعةً بعد أخرى، دون إعلان صريح..!
لعقود مضت بدا وكأن العالم يسير تحت سقف واحد، تُمسك بخيوطه قوة كبرى تعرف كيف تدير التوازنات. غير أن هذه اللحظة تكشف مساحات فراغ لم تكن ظاهرة. قوى إقليمية تتحرك بثقة، وأخرى كبرى تراقب من مسافة محسوبة، كأن الجميع ينتظر لحظة مناسبة ليعيد تعريف موقعه. وفي قلب هذا التبدل، يتغير شكل الحروب نفسها. المواجهة لم تعد مشهداً تقليدياً بين جبهتين واضحتين. هناك ظلال كثيرة تتحرك “هجمات رقمية، ضغوط اقتصادية، نفوذ يمتد عبر وكلاء لا يظهرون في العناوين”. مساحة الغموض تتسع، واليقين يتراجع خطوةً بعد أخرى..!
الشرق الأوسط، الذي اعتاد أن يكون مسرحاً للأحداث، يبدو اليوم وكأنه يعيد تعريف ذاته. اصطفافات جديدة تتشكل، وأخرى تتفكك، ومساحات رمادية تحاول أن تحمي نفسها من الانجراف الكامل. حتى مستقبل الجغرافيا هنا يتحول إلى شيء يشبه المزاج السياسي سريع التبدل، حاد التأثير.
وفي الخلفية، تتحرك الطاقة كخيط خفي يشد العالم كله..!
مضيق يحتل بالكاد أضيق مساحات الخريطة يمكنه أن يربك اقتصاداً عالمياً كاملًا. الأسعار ترتفع، الأسواق ترتبك، والدول تعيد حساباتها كما لو أنها تستعد لزمن أقل اطمئناناً. وهذا الاضطراب ينعكس على كل شيء “الاقتصاد يدخل حالة توتر مستمر، كأن العالم يتعلم كيف يعيش وهو يترقب الصدمة التالية، سلاسل الإمداد تتغير، الصناعات تعود إلى الداخل، والخوف يصبح جزءاً من المعادلة الاقتصادية”..!
ثم يأتي السؤال الأثقل، سؤال الشرعية، من يملك حق القوة؟. الإجابة لم تعد واضحة كما كانت منقبل، المؤسسات تبدو أقل قدرة على الحسم، وميزان القوة يفرض منطقه بصمت قاسٍ. وفي عمق المجتمعات، تتصاعد نبرة أخرى. خطاب الهوية يجد طريقه بسهولة في أوقات القلق. الناس تبحث عن يقين ما، عن معنى تنتمي إليه، فتشتد الانقسامات، وتعلو الأصوات التي ترى العالم من زاوية واحدة فقط..!
ومع هذا كله، يزداد الإحساس بأن القوة النووية قد أصبحت اللغة الأكثر حضوراً. سباق التسلح يتسارع، والطموحات النووية تخرج من مناطق الظل إلى دوائر التفكير الجاد. العالم يبدو وكأنه يعيد تعلم دروس قديمة، لكن بثمن أعلى. حتى الإعلام لم يعد مجرد شاهد. الصورة أصبحت حدثاً، والرواية جزءاً من المعركة. ما يُقال لا يقل أثراً عمّا يحدث على الأرض، وربما يسبقه أحياناً. ووسط هذا الضجيج كله، يقف الإنسان في زاوية المشهد، يحمل نصيبه من الخسارات. نزوح، قلق، فقدان للأمان، وأسئلة مفتوحة عن الغد..!
العالم يتقدم تقنياً بخطوات واسعة، لكن قلبه يبدو أكثر هشاشة. في مثل هذه اللحظات، يتغير السؤال نفسه، الاهتمام لا يتجه نحو من ربح المواجهة، بل نحو من استطاع أن يحافظ على توازنه وسط هذا التحول. فالحروب الكبرى تترك أثرها في الخرائط، وتترك أثراً أعمق في معنى القوة، وفي شعور الدول – والأفراد – بالأمان..!
ربما لا نملك ترف إيقاف ما يحدث، لكننا نملك أن نراه بوضوح. وفي أزمنة كهذه، يبدو وضوح الرؤية قيمة نادرة وثمينة!.
munaabuzaid2@gmail.com



